بدا رئيس الوزراء الفلسطيني المقال إسماعيل هنية مثل محمد نجيب في ثورة يوليو حيث تلى بيانا سلسا رفض فيه قرارات الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإقالة حكومته وإعلان حالة الطوارئ، والواقع أن الأحداث أكدت أن هنية لم يكن ذا تأثير حقيقي في حركة حماس خاصة جناحها العسكري الذي يقوده نبيل الجعبري ككتائب القسام وسعيد صيام ومحمود الزهار كقوة تنفيذية.

ولعل هنية استخدم طويلا كغطاء لكسب الوقت في الحوارات مع الرئيس الفلسطيني حيث تبين انه يقول كلاما ولا يستطيع الوفاء به وحتى عندما رد على مراسيم أبو مازن الثلاثة التي أعلنت مساء الجمعة الماضي فإنه تعهد بأمور لم يستطع تنفيذها حيث واصلت ميليشيات حركة حماس أعمال الاعتقال والقتل والنهب والتفتيش ولم يسلم منزل الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الاقتحام والنهب واعتبره الناهبون غنائم حرب ونقلوا محتوياته، فيما جرت إزالة العلم الفلسطيني عن المؤسسات الرسمية ورفع علم حركة حماس.

بيان هنية تعهد بأمور تختلف عما يجري على ارض الواقع فهو تمسك بحكومة الوحدة والحوار الخ. ودعا الشرطة إلى العمل مع التنفيذية لضبط الأمن لكنه يعلم انه غير قادر على تنفيذ ذلك فالقادة المتشددون في حماس الذين يسيطرون على الوضع تحدثوا عن تحرير قطاع غزة وإقامة نظام إسلامي وهي عمليا خطوة انفصالية حقيقية عن الضفة.

فقد أمست الأراضي الفلسطينية ليل الجمعة وقد تحولت من سلطة واحدة برأسين إلى شعب واحد بسلطتين احدهما في الضفة والآخر في غزة، وكل طرف ينظر بدهشة إلى الواقع الجديد الذي لم يكن يرى في اشد الكوابيس ظلامية. ولعلني أشرت بعد فوز حماس في الانتخابات في مقال نشر في (البيان) بعنوان الفلسطينيون بين ظلم فتح وظلامية حماس إلى المجهول الفلسطيني المقبل.. وكان القادم مليئا بالكوارث والمفاجآت المأساوية..

فلا حماس حاولت ان تتواضع وقد أخذتها نشوة النصر. ولا بعض قادة فتح الذين تصاغروا في الميدان حاولوا إعادة بناء حركتهم المنهارة بل واصلوا مماحكة حماس التي كانت لديها خيارات مبيتة وهي الإمساك بزمام السلطة بالكامل سواء بالديمقراطية أو بالبندقية. وقد استخدمت حماس لسانا سياسيا طريا مثل لسان إسماعيل هنية في مواجهة أبو مازن الذي كان مقتنعا به وحسن نيته..

لكن الود المتبادل بين الاثنين كان يصطدم بتحركات لرجال أقوياء على جانبي الرجلين. إذ أن تيار محمد دحلان ورشيد أبو شباك في فتح لم يسلم بالهزيمة ورفض الانضواء تحت سلطة حماس الحكومية.. ومن جانب آخر رأى متشددو حماس أن الوقت ينفد فبعد فشل حكومة حماس وتشكيل حكومة الوحدة ظلت حركة حماس عمليا بعيدة عن صنع القرار لان رئيس وزرائها ووزراءها ظلوا في عزلة..

وجرت محاولات لإعادة إحياء تنظيم فتح وتوحيد أمراء الحرب الذين يقودونه ووضعت برامج لتشكيل حرس رئاسي قوي مدرب ومسلح جيدا مع إنشاء قوة تنفيذية ضاربة لحركة فتح التي بلغ عدد أجنحتها العسكرية أكثر من عشرة أجنحة لكن دون تنسيق بينها، وربما رأى متشددو حماس إن الوقت لا يلعب لمصلحتهم على المدى البعيد حيث التيار المتشدد بات يجد صعوبة في الانتظار وثمرة السلطة في متناول يده..

فحماس تمتلك جيشا حقيقيا مدربا ومسلحا وذا قيادة واحدة وان كان اقل عددا من قوات الأمن الرسمية ونشطاء فتح إلا انه يواجه قوات تعيش حالة من الفوضى يقودها ضباط ذوو امتيازات بلا انضباط عسكري وميليشيات فتح تتناحر فيما بينها أكثر من تناحرها مع خصومها..

وقد نأى أمين سر حركة فتح في غزة أحمد حلس بنفسه منذ فترة عن الصراع وعن دحلان.. واتخذ موقفا محايدا.. وكذلك سارع روحي فتوح إلى الانسحاب والاعتزال من لجنة إصلاح فتح في مقال نشر عشية اندلاع القتال حيث أرسل لي إلى (الحياة الجديدة) مقالا للنشر بهذا المعنى. فقد كان قادة فتح في غزة على علم بأن حماس توشك ان تبدأ انقلابها على السلطة وفتح وستحسم الأمور بسرعة لان واقع فتح وأجهزة السلطة آيل للسقوط، وهو ما حدث فعلا.

حماس منذ البدء كان مشروعها في غزة حتى قبل الانسحاب الإسرائيلي من غزة. فمنذ ان وضع ياسر عرفات قيد الحصار في رام الله وجدت حركة حماس المجال مفتوحا لتطوير قدراتها القتالية وشراء السلاح وتصنيعه وجلب الأموال تحت غطاء الانتفاضة ومقاومة الاحتلال وبينما كانت الأنظار مركزة على عرفات المحاصر كانت تعمل بجد بقيادة الشيخ احمد ياسين ثم الدكتور الرنتيسي لإنشاء جيش قوي معبأ معنويا ومدرب ومسلح جيدا واشترت السلاح حتى من كبار ضباط الأمن في السلطة وأقامت علاقات استراتيجية معقدة مع طهران ودمشق والتيار العالمي للإخوان المسلمين..

ونأت بنفسها لاحقا عن الاشتباك مع الإسرائيليين لكسب الوقت وظلت حماس بعيدة عن القتال منذ ما قبل الانتخابات إلى ما بعد سقوط حكومتها. فهي وان رفعت شعار المقاومة والحكم الا انها لم تكن تمارس المقاومة ولم تستطع ممارسة الحكم. وبالتالي وجدت نفسها خاصة منذ شهر مايو ومطلع يونيو في مواجهة الاحتلال الذي بدأ يشن عمليات ضد مقاتليها وقوتها التنفيذية، كرد على إطلاق الصواريخ..

وهذا بالنسبة لحماس كان يعني ان قوتها ستضعف بالتدريج تحت وطأة الاستهداف الإسرائيلي اليوم، ولذا قررت الهروب إلى الأمام والإمساك بزمام الأمور في غزة حتى تكون في موقع تفاوضي أقوى سواء مع رئاسة السلطة أو مع إسرائيل والمجتمع الدولي لاحقا ولكن هل حساباتها ستنجح؟

الكثير من المراقبين يؤكدون أن حماس ألقت بنفسها في مصيدة لأنها عمليا سيطرت على سجن كبير يعيش فيه 5,1 مليون نسمة مغلق المعابر مع إسرائيل وله منفذ واحد مع مصر يمكن إغلاقه أمام حماس بالذات. لكن حماس أثبتت أنها قادرة على المناورة وابتزاز التنازلات فهي انتزعت تنازلات كثيرة من الرئيس الفلسطيني دون مقابل..

وسحبت القرار الفلسطيني إلى غزة حتى من قيادة حركة حماس في الضفة الغربية سواء قبل اعتقال اغلبهم أو بعد ذلك ولم تسمح لهم بالمشاركة في اتخاذ القرار وكانوا مجرد وكلاء لها وليس شركاء فيها. وحتى لهجة قادة حماس في غزة كانت تتحدث وكأن الوطن الفلسطيني هو غزة.. فهم كانوا يتحدثون عن اقتصاد غزة وعن حدود غزة حتى قال احدهم عندما ذهب أبو مازن إلى غزة ذات مرة أن أبو مازن قادم إلى عقر دار حماس وكأنه قادم من بلاد أخرى.

وأظنني أشرت في مقال سابق في (البيان) إلى هذه الظاهرة وطالبت قادة حماس ووزراءها ان يتحدثوا بلهجة فلسطينية وليس غزية.

إذن.. حلم الإمارة الإسلامية الذي كان يدعو له التيار المتشدد في حماس أصبح واقعاً.. والآن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة؟ فكيف ستتدبر حماس أمورها؟ وهل ستواصل رعاية أنصارها في غزة كما فعلت عندما شكلت حكومة وتجاهلت الشعب الفلسطيني ككل واعتنت بأنصارها وعناصرها فقط. أم أنها ستستخدم 5,1 مليون نسمة كرهائن لديها لإجبار المجتمع الدولي على التعاطي معها ومدهم بالعون والمساعدات فأغلب سكان قطاع غزة هم من اللاجئين الذين يتلقون مساعدات ورعاية صحية وتعليمية من وكالة غوث اللاجئين..

ونسبة الموظفين في السلطة من غزة تفوق نسبة الضفة مع ان عدد سكان الضفة أكثر.. وحصة غزة من ميزانية السلطة اكبر من حصة الضفة فهل ستواصل السلطة التي أعلنت ان حماس انقلبت عليها دفع رواتب وإيصال المساعدات إلى غزة؟ وكيف؟ وهل ستواصل المؤسسات الرسمية والوزارات عملها في غزة وتحت أية سلطة؟ وهل ستبقى المعابر مغلقة ومن سيديرها طالما ان إسرائيل لا تتعامل مع حماس؟ ومن سيدير معبر رفح طالما ان الأوروبيين الذين يشرفون عليه لا يتصلون بحماس. أوضاع معقدة جديدة لم يشهدها شعب في التاريخ. شعب منقسم جغرافيا في منطقتين ويدار من سلطتين متحاربتين؟ أسئلة بلا إجابات حتى الآن.

صحيفة «الحياة الجديدة» فلسطين

hafez0@yahoo.com