وإذن ما هي الخطوة التالية؟، أم أن الوضع في الأراضي الفلسطينية سيبقى على ما صار إليه: حكومتان فلسطينيتان متنافرتان تدعي كل منهما الشرعية الكاملة دون الأخرى؟

في الضفة الغربية ألف رئيس السلطة الفلسطينية حكومة طوارئ بعد أن أقال «حكومة الوحدة الوطنية» في غزة التي يرأسها قطب حماس إسماعيل هنية علماً بأن حماس ترى في قرار الإقالة تصرفاً غير شرعي، ولكن هل تنتهي القصة عند هذا الحد؟

الإجابة تستنبط من طبيعة التكليف الذي عهد به الرئيس أبو مازن إلى حكومة الطوارئ في رام الله. فهي مكلفة «باستعادة شرعية» السلطة الفلسطينية على قطاع غزة الذي أصبح الآن في نظر رئيس السلطة إقليماً متمرداً، لكن بما أن حماس فرضت على القطاع سيطرة أمنية كاملة بعد انتصارها الحاسم على قوات الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية ـ أي الموالية لفصيل فتح ـ فإن الخيار الأوحد لدى الرئيس أبو مازن الآن وحكومة الطوارئ هو الخيار العسكري القتالي:

أي شن حرب على قطاع غزة لتأديب حماس وإقصائها من سلطة الحكم في القطاع، لكنه يبقى خياراً نظرياً بعد اندحار قوات الحرس الرئاسي وجهاز الأمن الوقائي وجهاز المخابرات العامة في غزة واستسلام قياداتها أو الفرار عبر الحدود إلى مصر طلباً للسلامة.

أجل.. الخيار نظري. لكن لكي يكون خياراً براغماتياً قابلاً للتطبيق فإنه يتعين على الرئيس أبو مازن أن يستعين بقوة خارجية، لهذا يرد الآن بقوة الحديث في رام الله بين الرئيس أبو مازن وصحبه في فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية حول استقدام قوات دولية.

ورويداً يخرج الحديث من الدائرة الداخلية إلى الدائرة الخارجية. هذا ما توحي به الاتصالات الهاتفية المحمومة التي أجراها أقطاب الغرب - ومن بينهم وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ورئيس فرنسا نيكولاي ساركوزي ـ مع الرئيس الفلسطيني. وهي اتصالات تعكس دعماً معنوياً فورياً قد يترجم إلى مساندة عملية ملموسة تشارك فيها إسرائيل من وراء ستار.

ربما يستبعد البعض تدخلاً عسكرياً خارجياً من أجل مساعدة أبو مازن على استرداد سلطته في غزة استناداً إلى أن انشطار الأرض الفلسطينية إلى قسمين وحكومتين متضادتين تتربص كل منهما بالأخرى وضع ملائم لإسرائيل. ففي استمرار حمأة العداء الفلسطيني المتبادل بين سلطة غزة وسلطة الضفة إلى أجل غير مسمى سوف ينسى الفلسطينيون الاحتلال الإسرائيلي.

لكن هذا الخط التحليلي ربما يدحضه أنه من غير المعقول أو المتصور أن تسكت القيادة الإسرائيلية عن تحول قطاع غزة إلى قاعدة ثابتة ومستديمة «للإرهاب» تحت السيطرة الكاملة لقيادة حماس. بل وحتى دول الجوار العربية لن ترضى عن تبلور وضع كهذا.

دخول قوات غربية بناء على طلب من أبو مازن يبقى احتمالاً قوياً ومرجحاً. لكن من المؤكد أنه سواء حدث تدخل عسكري غربي أو لم يحدث فإن الثابت المؤكد هو أن إسرائيل والولايات المتحدة ومن ورائهما القوى الغربية الأخرى ستعمد إلى تشديد الحصار الاقتصادي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بأعلى درجات القسوة بأمل تشجيع تذمر شعبي يتحول إلى انتقاضة ضد سلطة حماس.