دخل الوضع الفلسطيني حقبة اللامعقول. في أحسن الأحوال، حقبة المجهول. توازناته ومعادلاته السابقة تكسرت وانهارت إلى غير رجعة على ما يبدو، ونشأت على ساحته خريطة جديدة، معالمها قيد التبلور، فالانشطار الصاخب الخاطف؛ الذي أفرزته التطورات الأمنية والسياسية الدراماتيكية خلال الأيام الأخيرة؛ يؤشر إلى تداعيات وأبعاد نوعية، لا تتعدى اللحظة الفلسطينية فحسب بل أيضاً قد تتعدى تخوم فلسطين نفسها.

الحسم الأمني الذي شهدته غزة لصالح «حماس»، مثقل بالسلبيات المؤذية وعلى أكثر من صعيد. في الداخل، سدد ضربة قاضية وحتى إشعار آخر، للوحدة الفلسطينية؛ التي هي بمثابة واجب الوجوب، في هذه المرحلة من المسيرة الفلسطينية.

فتعميق الشرخ الأهلي يزيد من تآكل المواجهة للاحتلال؛ بقدر ما يصب في طاحونة المزاعم والتحايلات الإسرائيلية، التي طالما استخدمت الخلافات الفلسطينية مطية لها. فكيف الآن وقد تحولت الخلافات إلى قطيعة وحروب تصفية، بل إلى طلاق بين أطرافها.

ثم ان الانقلاب الذي وقع سدد أيضاً لكمة قاتلة للشرعية الفلسطينية الواحدة والموحدة؛ فضلاً عن مؤسساتها وخطابها الواحد مع العالم، فهي كانت تتحدث وتخاطب بلسان واحد ومرجعيات واحدة؛ وبالكاد كان صوتها مسموعاً. فكيف الآن وقد صارت المرجعية مرجعيات والحكومة حكومات؟ خاصة وأن احتمال قيام حكومتين في الضفة والقطاع بات يلوح كأمر واقع.

والخطر القاتل هنا يكمن في أن نشوء مثل هذا الوضع قد يؤسس لانشطار جغرافي؛ ينطوي على مضاعفات مدمرة للقضية الفلسطينية ذاتها ولكل ما ترمز إليه من وحدة شعب وحقوق ومصير. فالتفكك هو أقصى ما تطمح إلى تحقيقه إسرائيل باعتباره الوضعية المثلى؛ ليس فقط لإنهاك الشعب الفلسطيني وإغراقه بصراعاته المستديمة، بل أيضاً لتمييع القضية وتزييف جوهر حقيقتها بما هي احتلال لأرض شعب ومصادرة حقوقه فيها.

المؤسف بل الموجع، أن ما جرى في غزة، أُعطي طابع «التحرير»، الذي لا يكون إلا ضد المحتل، وفي هذه الحالة هو الاحتلال الإسرائيلي، وربما ساد اعتقاد بأن استفراد فصيل واحد بالقطاع، يضع حداً للفلتان الأمني وللصراعات الدموية اليومية على أرضه، تقنياً قد يكون ذلك صحيحاً. لكن ضبط الوضع الأمني ـ إذا صح التعبير ـ بهذه الصورة له تكلفة سياسية باهظة، فضلا عن أنه ليس ضمانة ضد عودة الانفجارات الأمنية؛ إذا لم تكن في غزة؛ ففي الضفة.

الحسم الذي جرى كانت تتجمع عناصره منذ فترة. المحاولات التي جرت لاستدراكه عجزت، ربما لأن هناك قراراً قد سبق واتخذ، في هذا الاتجاه. وبالتأكيد فشل الاستباق لأن إسرائيل حرصت دوماً على صب الزيت على ناره؛ من خلال تملصها وخداعها وتحايلاتها؛ المشفوعة دوماً بإصرارها على التصعيد بشتى الطرق، من الاغتيالات حتى الاقتحامات مروراً بمواصلة الحصار.

وقبل كل شيء بعدم التزحزح قيد أنملة عن سياسة التخريب على «عملية السلام»، ولم يكن الصمت الأميركي على السلوك الإسرائيلي أقل إسهاماً في تعقيد الأمور ودفعها إلى حيث وصلتها اليوم، وقمة التعقيد تكون إذا ما ترك هذا النموذج يخرج من غزة إلى المنطقة. لا سيما وأن الرياح تنفخ في هذا الاتجاه بأكثر من ساحة عربية.