أتفهم جيداً تلك الجهود التي تم بذلها للتهوين من ظاهرة تنظيم «فتح الإسلام» والتعامل معه باعتباره مجرد عصابة تضم بضع مئات من المقاتلين (وهذا صحيح) نجحت في اخذ معسكر «نهر البارد» رهينة، ووضعت سكانه في محنة جديدة تضاف لمأساتهم الدائمة.

لكن القصة أكبر من ذلك، والوضع أخطر على لبنان وعلى الفلسطينيين وعلى العرب جميعاً، بالنسبة للفلسطينيين تكشف أحداث نهر البارد بؤس الأوضاع التي يعيشونها في لبنان. مخيمات محرومة من الخدمات، ولاجئون ممنوعون من العمل في أكثر من ثمانين مهنة، وتحت دعوى عدم التوطين (وهذا حق) يجري تجريدهم من ابسط الحقوق الإنسانية، وقد كان ممكناً قبل ذلك تحمل هذه الأوضاع في ظل قيادة فلسطينية قوية.

وفي ظل نضال وطني يكتسب كل يوم أرضاً للقضية الفلسطينية، وفي ظل وضع عربي يضع القضية الفلسطينية في مقدمة اهتماماته، لكن كل ذلك يتغير الآن وبصورة تضع سكان المخيمات أمام كافة المخاطر وحدهم. كان الوضع مختلفاً حين كانت «فتح» تسيطر على الأوضاع، وحين كانت منظمة التحرير تحتوي كل القوى الفاعلة على الساحة الفلسطينية.

ورغم الخروج الفلسطيني من لبنان بعد الغزو الإسرائيلي قبل ربع قرن، ورغم الخلافات بين دمشق والقيادة الفلسطينية، ورغم الانشقاقات عن فتح ومحاولات وراثة دورها، بقي لفتح نفوذها ووجودها وبقي أبو عمار ممسكاً بالأمور لحد كبير حتى كانت أوسلو وما صاحبها وتبعها من مسيرة فاشلة في نفس الوقت الذي كانت تيارات الإسلام السياسي يتصاعد نفوذها مستفيدة من تنامي الظاهرة الإسلامية السياسية في العالم العربي، ومن الثمن الفادح الذي دفعه أبو عمار بسبب موقفه من غزو الكويت، وتراجع القوى القومية واليسارية.

ومع رحيل أبو عمار، ومع دخول حماس في السلطة، ومع النتائج المأساوية للغزو الأميركي للعراق، ومع جريمة تدمير هذه الدولة العربية الكبيرة وتحويلها إلى ساحة للحرب الطائفية وفتح الأبواب لعصابات التطرف والإرهاب لكي تستكمل المهمة التي بدأها الغزو الأميركي، ومع فتح الجبهة اللبنانية ـ السورية على مصراعيها لاستكمال ضرب ما تبقى من قوى المقاومة ونقل الفوضى من العراق إلى العالم العربي.

كان لابد أن ينعكس كل ذلك على الأوضاع الفلسطينية في لبنان. ولعل أخطر ما تكشفه أحداث نهر البارد ليس فقط الطريقة السريعة والمريبة التي تم بها زرع «فتح الإسلام» ولكن أيضا انتشار التنظيمات المشابهة في كل المخيمات الفلسطينية وعلى حساب القوى التي كان ينظر لها على أنها القوى الأساسية في الحركة الوطنية الفلسطينية.

وأظن أن ما حدث في مخيم «عين الحلوة» لا يقل خطورة عما حدث ويحدث في «نهر البارد» حيث انفجر الوضع على يد تنظيم يسمى «جند الشام» وتم بذل جهود كبيرة لتطويق الأحداث وخشي الجميع من أن يكون الهدف جر الجيش اللبناني إلى مواجهة جديدة تضاف إلى المواجهة في «نهر البارد» وبالفعل تم تهدئة الموقف ولكن بعد أن أوكلت مهمة ضبط الأمر إلى تنظيم أكبر هو «عصبة أنصار الإسلام»!.

ومن مجمل الأحداث حتى الآن يتأكد غياب المرجعية الفلسطينية الواحدة التي يمكن أن تضبط الساحة الفلسطينية في ظروف دقيقة للغاية، وانشغال القوى الأساسية بالصراعات فيما بينها والتي انفجرت بالقتال في غزة والضفة، وصعود جماعات التطرف التي لا يعرف أحد من أين جاءت ولا ما هي أهدافها.

والتي تستغل حالة الفراغ والأوضاع الاقتصادية الصعبة والحصار المفروض على الفلسطينيين وانشغال الإخوة الأعداء بالصراع على سلطة وهمية.. لكي ترسخ وجودها في المخيمات، وتقود الأوضاع إلى انفجار لن تكون لبنان إلا محطته الأولى، ولا أظن أن الداخل الفلسطيني ـ إذا استمرت الأوضاع الحالية ـ سيكون بعيداً عليهم!.

أما الجانب اللبناني من الصورة التي تكشف عنها أحداث «نهر البارد»، فأظن أن الحديث لا يحتاج لمزيد عن طبقة حاكمة مفلسة ساقت لبنان قبل ذلك إلى اتون حرب أهلية مدمرة، ولا مانع لديها من تكرار الأمر ما دامت ستظل في مواقعها الطائفية أو محتفظة بإرثها السياسي!.

الجديد في الصورة أننا في زمن أصبح فيه اللعب على المكشوف من كافة الأطراف. وأن الذين راهنوا على تدخل أميركي يحسم المعركة لصالحهم لم يخفوا رهانهم، ولم يخفوا أيضا خيبة أملهم في تراجع الفرصة لذلك لأسباب عديدة. والذين راهنوا على موقف شيراك يجدون أمامهم الآن ساركوزي بسياسة لابد أن تختلف حتى وأن بقيت الأهداف النهائية كما هي.

والذين راهنوا على صدام بين الجيش اللبناني وقوى المقاومة اللبنانية خاب أملهم. والذين راهنوا على سقوط سريع للنظام في دمشق بل ودعوا أميركا إلى تكرار تجربتها «العظيمة»!! في غزو العراق مع سوريا.. يدركون الآن حجم خطأهم!.

الآن يبدو المشهد مختلفاً.. ترافقت أحداث «نهر البارد» مع إقرار مجلس الأمن للمحكمة الدولية، ولم ينجح في جر البلاد إلى الحرب الأهلية كما توهم البعض. والعكس هو ما حدث، فكل القوى وقفت مع الجيش اللبناني في معركة ضد الإرهاب.

وإذا كان البعض قد حذر من محاولات لتوريط الجيش اللبناني في معركته في حرب مخيمات ومن الثمن الفادح الذي يدفعه سكان هذه المخيمات، فإن ذلك كله لم ينتقص من التأييد الكامل للجيش الذي يدرك الجميع أن انهياره يعني جر البلاد إلى الكارثة.

من ناحية أخرى فإن التعامل الهادئ مع إقرار مجلس الأمن للمحكمة الدولية اسقط هذه الورقة من حلبة الصراع. وجعل البعض الذي كان يملأ الدنيا ضجيجا حول استعداد المعارضين لهذه المحكمة لتفجير وجر لبنان للحرب الأهلية بسببها يبدو وكمن كان يحارب طواحين الهواء. الآن أصبحت «المحكمة الدولية» وراء الظهر، أما ما يواجهه الجميع فهو الأخطار الحقيقة التي تهدد لبنان. وهنا تبرز عدة نقاط مهمة:

ـ إذا كان عبور أزمة المحكمة وتوحد الجميع وراء الجيش قد أوجد مساحة جديدة لحوار، إلا أن الانقسام بين قوى الموالاة والمعارضة مازال كبيراً، ورغم بعض الاختلاف في موقف الحريري إلا أن العقبات مازالت كبيرة. وليس فقط بسبب «الأجندات» المختلفة لأطراف الصراع.

وإنما أيضا بسبب مواقف باقي حلفاء الحريري في تحالف 14 مارس (وخاصة جعجع وجنبلاط) اللذان يدركان أنهما سيكونان الخاسران الكبيران إذا تمت المصالحة، وأيضا بسبب ما كشفته أحداث «نهر البارد» و«عين الحلوة» من صلات بين بعض هذه القوى المتطرفة في المخيمات وبعض أطراف 14 مارس، ظناً منهم أن هذه الجماعات قد تساعد في حسم الصراع لصالحهم!.

ـ إن التأخر في حسم الأزمة في «نهر البارد «عسكريا أو سياسيا، سوف يكون له أوخم العواقب. وعلى الكل أن يدرك أن المطلوب أولاً هو التركيز على قضية تنظيم «فتح الإسلام» الذي يتفق الجميع على ضرورة التصدي له باعتباره عبئاً على الفلسطينيين قبل أن يكون خطراً على لبنان.

وبعدها يمكن الحديث عن قضية المخيمات والوجود الفلسطيني في لبنان وكيفية ضبط الأمور من خلال قيادة فلسطينية واحدة تحاصر بؤر الإرهاب، ومن خلال برنامج يكفل للفلسطينيين في لبنان آدميتهم وينهي الظروف المأساوية التي يعيشونها وفي نفس الوقت يسد الطريق على مخاطر التوطين.

ولكن كيف ننتظر هذه القيادة إذا كانت غزة نفسها تعيش مناخ الحرب الأهلية بين الإخوة الأعداء، والسلطة هناك عاجزة عن فعل شيء، والأرض تمهد لكي تكون صالحة لاستنبات عصابات على شاكلة «فتح الإسلام» وأخواتها ليحيلوا ما تبقى من فلسطين إلى ما تبقى من أفغانستان!.

ـ ويبقى التحرك الفرنسي الذي برز في الأيام الأخيرة من اجل البحث عن حل للازمة في لبنان وهو تحرك مدعوم أميركياً، ويحاول الاستفادة من رحيل شيراك ومجيء ساركوزي الذي يريد التعامل من منطلق بعيد عن الالتزام بانحيازات شيراك في القضية اللبنانية وأن يفتح جسوراً إلى أطراف المعارضة، ولا يستبعد التعاون مع دمشق.

لكن الملفت هنا أن باريس تتعامل باعتبار أن إيران هي الطرف الإقليمي المؤهل للتفاوض معه حول مستقبل لبنان. تماما كما يتم التفاوض معه (من جانب أميركا) حول مستقبل العراق! لقد ساعدت طهران حزب الله وهو يخوض حرب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي.

ولكنها ينبغي أن تظل في موقف الحليف أو المساند لا صاحب القضية الذي يتفاوض بالنيابة عن أصحابها الحقيقيين! لان غير ذلك يعني أن تتحول لبنان بعد العراق (وربما فلسطين بعد ذلك) إلى أوراق في لعبة اكبر يتم فيها إعادة رسم المنطقة في غياب العرب ودون مراعاة مصالحهم.

ـ وفي ظل هذا المناخ الذي كان مفترضاً فيه أن يستنفر كل القوى الحية العربية لمواجهة الموقف، تنفجر الأوضاع في لبنان مع اغتيال النائب وليد عبدو في جريمة يعرف الجميع أن الهدف منها هو محاصرة أي فرصة لحل الأزمة وتحقيق تقارب كانت الجهود تبذل من أجله في الأيام الأخيرة.

وفي الوقت نفسه كانت حماس وفتح تنزلقان إلى حرب أهلية فعلية تنسفان فيها كل تاريخهما النضالي من أجل إقامة إمارة لحماس في غزة، وإمارة لفتح فيما تبقى من الضفة، تماما مثل إمارة شاكر العبسي في مخيم نهر البارد وإمارة جند الشام أو أنصار الإسلام في مخيم (عين الحلوة) !!

إنه العار الذي لا يمكن القبول به أو التسامح معه بعد أن أصبح الهدف أن يكون لكل فصيل «إمارة» يفتي فيها بذبح باقي الفلسطينيين. أشعر شخصياً بالعار حتى العظم، فهل يشعر به الأشاوس الذين استباحوا للسلاح الفلسطيني أن يتوجه لصدور فلسطينية؟!.

نقيب الصحافيين المصريين