عندما تنتهي الحرب الاقتتالية الفلسطينية الدائرة بين فصيلي «فتح» و«حماس» ستكون الحركة الوطنية الفلسطينية قد دخلت مرحلة جديدة تتطلب مراجعة جذرية وشاملة. أكثر من أي وقت مضى تؤكد النتائج القتالية على ما أثبتت صناديق الاقتراع قبل عام ونصف العام بأن منظمة التحرير الفلسطينية لم تعد «الممثل الشرعي والأوحد للشعب الفلسطيني».

منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية وفصيل فتح أسماء متعددة لكيان واحد، فهي جميعا تتشارك في قيادة وحدانية تتجسد في شخص الرئيس محمود عباس أبو مازن.. فهو رئيس المنظمة ورئيس السلطة وقائد فتح. إذن فان الهزيمة الانتخابية التي منيت بها فتح في أوائل العام الماضي تنسحب تلقائيا على السلطة ومنظمة التحرير.

المعضلة الجذرية هي أن هذه القيادة التقليدية لم تكتف برفض النتائج الانتخابية عمليا، بل عمدت إلى استخدام كل ما تستطيع من وسائل تعويق لمنع حماس من الاستثمار الايجابي للثقة الشعبية بها على صعيد الحكم. أكثر من ذلك فان القيادة التقليدية وضعت نفسها في خدمة الثنائي الإسرائيلي الأميركي لحمل حماس على الاعتراف بإسرائيل، مضفية بذلك تبريرا ومشروعية على حالة الحصار الاقتصادي على الشعب الفلسطيني، وتصاعد الأمور على هذا النحو كان من المحتم أن يؤدي الى صدامات دموية.

قبل وقوع الاشتباكات كان كثير من المراقبين المحايدين يتشككون في مدى مصداقية الرئيس أبو مازن، عندما يطرح نفسه كرئيس لكافة الفلسطينيين بصرف النظر عن اختلاف انتماءاتهم السياسية. وقد أثبتت المصادمات الدموية صحة هذه الشكوك. ففي سياق الصدام يتصرف أبو مازن كقائد لفصيل فتح أكثر منه كرئيس لسلطة وطنية تتعامل بحيدة كاملة مع الفلسطينيين جميعا متسامية فوق الفصائل.

تشكيل «حكومة طوارئ» إذن ليس حلاً.. أو قل إنه ليس حلا جذريا سياسيا لأن أي حكومة من هذا القبيل ستكون بالحتمية حكومة موالية لفتح معادية لحماس، الحل الجذري ـ أي حل جذري ـ سيتطلب بالضرورة مراجعة شاملة للهيكلة العضوية لمنظمة التحرير الفلسطينية من أجل تمثيل كافة الفصائل على أساس معيار النتائج التي أفرزتها انتخابات المجلس التشريعي.

ومنظمة التحرير في صورتها العتيقة التي عفا عليها الزمن تضع نفسها وصيا على الشعب الفلسطيني، وهي وصاية ليست مسنودة بقوة ديمقراطية، لذا فان إجراء انتخابات برلمانية جديدة لن يؤدي إلى حل جذري إذا بقيت الهيكلية العضوية للمنظمة كما هي عليه. ذلك انه إذا خسرت فتح الانتخابات مرة أخرى فإنها لن تعترف بالنتيجة، وبالتالي فان قيادة المنظمة التي تحتكرها فتح سوف تلجأ مجددا إلى وسائل غير ديمقراطية تارة أخرى بهدف إفساد انتصار حماس الانتخابي.

أغلب الظن ان قيادات منظمة التحرير ـ وهم قيادات فتح ـ سوف يقاومون أي توجه نحو إعادة الهيكلة. لكن على هؤلاء أن يدركوا مسبقا أنه كلما طال أمد الحرب الأهلية صار وجودهم على قيد الحياة السياسية أكثر تعرضا للخطر.