في كل ما يحدث حولنا، في كل ما نقرأ عنه ونسمع، في كل ما نتداوله خلال اليوم، نحن لا نعرف كل الحقيقة، وكذلك في كل ما ينشر عبر وسائل الإعلام والأوساط الاجتماعية المقربة من الأخبار هناك نصف حقيقة تقال دائماً، ولذلك نستطيع أن نقول: إن الرأي العام في مجتمعاتنا العربية كلها ـ ومجتمعنا أحدها ـ يتأسس ويتبلور على قاعدة نصف الحقيقة، لذا فهو رأي ـ للأسف الشديد ـ قاصر! والمعذرة للجميع.

لماذا لا نعرف سوى نصف الحقيقة؟ ربما لأن كل الحقيقة صعبة وغير محتملة، صعبة على القنوات الناقلة ـ وخاصة وسائل الإعلام ـ وغير محتملة بالنسبة لصناع القرار والدوائر المحيطة بهم، ولذلك فإن حرية الحصول على الأخبار والمعلومات في المجتمع دون حواجز يعد إحدى محطات الشفافية والديمقراطية، فكلما كان الوصول إلى الحقيقة ونقلها للناس ميسراً اعتبر ذلك تمتعاً بمناخ حضاري رفيع في أي مجتمع. من هنا فإن من أهم مؤشرات الحرية في العالم حرية الحصول على الحقيقة (المعلومات) وتوصيلها للناس دون خوف من المطاردة أو التهديد وخلافه!

فما الذي يحدث عندما تحاول أن تقول كل ما تعرف سواء كان هذا الذي تقوله معلومة أو رأياً؟ انك تقع في مأزق المواجهة مع البعض، خاصة إذا كان هذا البعض من أصحاب النفوذ. ولقد عبر أحد الكتاب عن ذلك قائلاً: «هو المأزق الذي يمكن تلخيصه بعبارة إن المرغوب غير ممكن، بينما الممكن غير مرغوب»، فأنت ترغب في معرفة وقول ما يصنف بأنه محظور أو غير ممكن، بينما الهامش المتاح لك والممكن غير مستحب أو مقنع من قبلك!

إذن فما هو الحل؟ منذ سنوات قليلة كان الهروب من منطق المرغوب في ظل الهوامش العربية لا حل له سوى بأن يصدر البعض صحافة في الخارج يقول فيها ما يشاء، لكن هذا الزمن صار في خبر كان، وصار الذي يريد أن يقول ما هو غير مرغوب بحسب مزاج الرقابة، يمكنه أن يفعل ذلك عبر القنوات غير الرسمية وعبر شبكة الإنترنت العنكبوتية التي شكلت التحدي الأكبر أمام سطوة الرقابة العربية على وسائل الإعلام، بالرغم من الحظر الذي تمارسه مؤسسة «اتصالات»!! إلا أن هذا الحظر سيصبح أيضاً في خبر كان في ظل المنافسة التي نشهدها بين اتصالات و«دو» والشركات التي ستتأسس لاحقاً بحكم التغيير الذي يفرض نفسه بقوة لا تقاوم!!

يقتنع البعض بحرية الرأي وحرية التعبير واستتباعاً حرية الصحافة والإعلام، وهذه مقولات فيها من الالتباسات وعدم الوضوح الشيء الكثير، وتناولها يتم بشكل أقرب إلى العمومية ورمي الكرة في الملعب الآخر دون أي التزام حقيقي مؤسس ومقنن بقوانين وآليات واضحة مرتبطة بمؤسسات سياسية وقضائية وإعلامية محددة.

وما لم تحدث مقاربة بين ما يقال وما يحدث حقيقة على أرض الواقع، بمنتهى الدقة والوضوح، فإن حديثاً عن حرية الصحافة والرأي والتعبير يصبح «مرغوباً غير حقيقي» أو كما بدأنا الحديث ليس سوى نصف الحقيقة، وهنا فإنني أعتقد بأن عدداً كبيراً من الإخوة الصحافيين عندنا غير متأكدين من حدود هذه الحقيقة القائلة بوجود حرية إعلام، والحقيقة أن هناك الكثير مما نعرفه، والكثير الكثير مما نجهله، وللأسف فنحن نؤسس مواقفنا على ما نجهل لا على ما نعرف!!

نعلم بأن للسياسة اعتباراتها، ولجماعات النفوذ والمصالح اعتباراتهم وضغوطاتهم التي تتنافى حتما وحرية الصحافة، وهذا يحدث عندنا كما يحدث في الولايات المتحدة، لكن هناك مجتمعات يتسع فيها هامش الحرية لتتسع فيها نطاقات المعرفة والقنوات البديلة، بينما تنعدم البدائل عندنا، وحسب تقارير منظمات الصحافة العالمية، فهناك قائمة بأسوأ الدول في ممارساتها مع حرية الصحافة، ودولنا العربية لا تغادر هذه القائمة سنوياً.

sultan@dmi.gov.ae