إذا كانت التغيرات المناخية وما يترتب عليها من سخونة الأرض تشكل أحد مصادر الشقاق بين الدول المصنّعة الكبرى فإن المناخ الجيوسياسي الدولي هو الذي يثير قلقها في العمق.

لقد قيل الكثير عن قمة الدول المصنعة الكبرى الثماني التي انعقدت قبل أيام في ألمانيا وعن ضرورة أن تكون مناسبة لصياغة خطط استراتيجية في مواجهة التحديات الكونية الكبرى وعن واجب أن يستمع «الكبار» لأصوات الدول «الصاعدة» من أجل أن يتحمل الجميع «أغنياء وفقراء» مسؤولية البحث عن تنمية مستدامة.

كما قيل الكثير أيضا عن كوسوفو ودارفور وديون إفريقيا وتنميتها. ولكن الموضوع الجوهري و«الشغل الشاغل» لدى المشاركين هذه المرّة كان مشروع الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا والرد الروسي عليه.

فما هي الحكاية بالتحديد ؟

باختصار يريد الأميركيون إقامة «درع» دفاعية تضم صواريخ مضادة للصواريخ في بولندا ومحطة رادار للتوجيه في الجمهورية التشيكية. المبرر المقدّم هو التهديد النووي الإيراني أولا وأساسا بعيدا عن أي استهداف لروسيا. هذا ما قاله الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش نفسه عندما وصف «درعه الصاروخية» أنها مجرد «إجراء دفاعي صرف لا يستهدف روسيا وإنما مصادر التهديد الحقيقية»، يقصد الإيرانية.

بل لم يتردد في دعوة روسيا للمشاركة في هذه «المنظومة الدفاعية الصاروخية»، تلك الدعوة الموجهة، عشية انعقاد قمة الثماني في ألمانيا، من بوش إلى روسيا للتدليل على «حسن نيته» وللتأكيد على أن الحرب الباردة التي سادت العلاقات الدولية في ظل الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكري الغرب والشرق قد انتهت مرّة واحدة وإلى الأبد، أجاب عليها فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، بدعوة «حارّة هي الأخرى» فاجأ بها الجميع أثناء انعقاد القمة.

لقد اقترح على الرئيس بوش مشاركة أميركية-روسية في محطة رادار بأذربيجان، وفي موقع يشرف على المحيط الهندي والشرق الأوسط وجزء كبير من شمال إفريقيا ويسمح بالكشف عن عملية إطلاق أي صاروخ في دائرة قطرها حوالي ستة آلاف كيلومتر.

الدعوتان، الأميركية والروسية، تبديان رغبة كبيرة في التعاون المشترك، وبالتالي «لا غبار» عليهما في الإطار العام. لكن «الشيطان يوجد في التفاصيل» كما يقال، إذ في الحال تنطرح أسئلة عديدة تبيّن الإجابات عليها مدى «جديّة» العروض و«صدقية» الدعوات.

مثلا لمن ستكون القيادة في حالتي المشاركة ب«الدرع الصاروخية» في أوروبا أو «محطة الرادار» في اذربيجان؟ ومن ستكون مصادر المعلومات، وبالتالي الرد على أساسها: أميركية أم روسية؟ ما هو دور القوى المعنية مباشرة أوروبيا وآسيويا بالمشروعين؟ ودور وموقع الحلف الأطلسي؟ وأسئلة أخرى كثيرة ليس على أي سؤال منها إجابة واحدة محددة.

أيضا، وفيما هو أبعد من التأكيد على «الصداقة» المتبادلة، يبدو بوضوح أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يرى الدعوة الأميركية للمشاركة الروسية في «الدرع الصاروخي» جديّة ولا حتى صادقة أيضا. هذا ما تمكن قراءته بوضوح من خلال ما قاله في مقابلة أجرتها معها صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، بتاريخ 4 يونيو 2007، أي عشية انعقاد قمة الثماني في ألمانيا.

ونقرأ في إجابة له حول الرد الروسي على نشر الولايات المتحدة لمنظومة دفاع صاروخي في بولندا وتشيكيا ما نصه: «كانت روسيا قد وقّعت معاهدة حول الأسلحة التقليدية في أوروبا وقامت بموجبها بنزع أسلحتها المشمولة بها من جانب واحد. بالمقابل لاحظنا تكديس الأعتدة العسكرية في رومانيا وبلغاريا والآن نشر صواريخ في بولندا ومحطة رادار في تشيكيا. هذا مثير للقلق، لذلك قررنا تجميد المعاهدة المذكورة».

ثم أضاف في إجابة أخرى: «لقد اقترحت علينا الولايات المتحدة تقديم صواريخنا، أي ما يعني انها ستخدم كأهداف. فالدرع المضادة للصواريخ مرتبطة بمنظومة الردع النووي الأميركي وسيكون من العبث الاعتقاد أنهم سيسمحون لروسيا أن تدخل إلى قدس أقداس تلك المنظومة».

كلام صريح وواضح وله «منطقه المتماسك» في تحديد الرد بالقول: «بالتأكيد ستكون لنا بالمقابل أهداف في أوروبا». بل وتحدث الرئيس الروسي عن «منظومات أسلحة جديدة» يفرضها مطلب التوصل إلى إمكانية «اختراق» الدرع الصاروخية.

هذا يعني، إذا تمّ الأخذ بحرفية هذه الأقوال، العودة من جديد إلى سباق التسلح من جديد وحيث ستكون القارة الأوروبية هي مسرحه الأول. هذا الموقف الروسي غير مفهوم أوروبيا. بل ويرى الأوروبيون،من موقع الحلفاء لأميركا، أن الرد الروسي على مشروع الدرع الصاروخية الأميركي في أوروبا يبدو «غريبا»، أو على الأقل هناك «خلل» في تحديد الأولويات، إذ إن الصواريخ الأميركية لا تستهدف روسيا أبدا وإنما هي إجراء دفاعي مضاد للتهديدات الإيرانية فكيف تكون الإجابة عليها هي توجيه صواريخ روسية على أهداف أوروبية؟!

الروس يدحضون الحجة بالحجة ويشيرون، كما جاء على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه، إلى أن «الإيرانيين لا يملكون صواريخ يصل مداها إلى ما بين 5000 و8000 كيلومتر، وبالتالي ليس هناك أي مبرر لنشر منظومة الصواريخ الأميركية» في أوروبا.

لعله من المفيد هنا التذكير بجوهر القضية من جديد: أميركا تقترح إقامة درع صاروخية في أوروبا من أجل صد التهديد الإيراني فترد عليها موسكو بإمكانية وضع أهداف أوروبية في رد صواريخها. إن المسألة تتجاوز اذن في عمقها مسرحها المباشر. انها تتجاوز أوروبا والاتحاد الأوروبي المهمّش والذي لم يسأله أحد عن رأيه وكأن المسألة لا تعنيه ولا علاقة لها بمفهوم الأمن الأوروبي.

كما تتجاوز بالطبع بولندا وتشيكيا مع كل ما تطرحه الجغرافيا «التي لا تكذب» حول أمنهما، وخاصة تبعيتهما الكبيرة للجار الروسي الكبير في مجال الطاقة. بل وتتجاوز كل ما يقال من تهديدات لا يبدو أن معطيات الواقع تؤيدها.

المسألة تتعلق باستيقاظ «الدب الروسي» من جديد، ومعه مشاريعه وطموحاته وحساباته. وليس بنيّته،كما يبدو، أن «يقبع في الزاوية» التي حددوها له، ورضي بها يلتسين خلال السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي. إن روسيا بدت آنذاك وكأنها على أبواب الدخول في الحلف الأطلسي بعد أن رفعت «الرايات البيضاء» أمام الرأسمالية الظافرة.

لكن «شهر العسل» الذي عرفته الشراكة الاستراتيجية الأميركية-الروسية لم يطل. بل لم يبق منه الشيء الكثير مع فلاديمير بوتين الذي رفع تدريجيا من درجة التحدي وصولا إلى القول بإمكانية وضع أهداف أوروبية في مرمى الصواريخ الروسية.

في الطرف المقابل هناك أميركا، القوة العظمى الباحثة عن تعزيز موقعها الذي اهتز بعد فشلها الكبير في العراق وعدم قدرتها على فرض استتباب النظام في أفغانستان وقبلهما عدم قدرتها على حماية نفسها من ضربة 11 سبتمبر المؤلمة.

وما بين هذه القوة العظمى الباحثة عن تدعيم ركائز زعامتها المهتزة، والقوة الروسية الكبرى، التي ترى نفسها وريثة قوة عظمى «سوفييتية» حتى الأمس القريب، ترتسم ملامح سباق تسلح قد يغدو محموما من جديد في وقت يتعاظم فيه العنف ويضرب كـ «الأعمى» في كل الاتجاهات.

في المحصلة، تبدو المسألة أبعد من صواريخ وصواريخ مضادة، ومن بوش وبوتين وقمة الدول المصنّعة الثماني... والثماني الكبار أنفسهم. إنها مسألة السلام في العالم. وإذا كانت حروب القرن العشرين قد قتلت الملايين فإن العالم قد تطور، والأسلحة قد تطورت، وحسابات «الجدوى» أصبحت بمئات الملايين، هذا إذا لم يكن بالمليارات.

الحروب قد تبدأ «باردة» ثم ترتفع حرارتها حتى درجة الغليان. والتجربة البشرية كلها قد اثبتت ان الانسان لم يخترع شيئاً الاّ واستخدمه ذات يوم، وهنا قد تكون الطامة الكبرى. ان لقاء «الكبار» يكون مهماً بمقدار ما ينجحون في تخفيف التوترات في العالم.

كاتب سوري