نجح الرئيس الباكستاني برويز مشرف في الإفلات من كثير من طلقات الرصاصات التي استهدفته خلال الأعوام الماضية. واستطاع النجاة من محاولات اغتيال متعاقبة كما نجح في التعامل مع الضغوطات الأميركية المتزايدة التي مورست ضده من أجل إبعاد المتشددين الإسلاميين عن الأراضي الباكستانية، بالإضافة إلى أنه استطاع التعامل مع الاتهامات الداخلية له بأنه ديكتاتور ودُمية في أيدي أميركا.

بعض من حلفائه القدامى قد تخلوا عنه. وطالب اثنان من رؤساء الوزراء السابقين تنحيه وتسببت إقالته لرئيس المحكمة العليا في إثارة حالة من الحنق والعنف راحت ضحيتها أرواح كثيرة وأدت إلى أول حملة احتجاجات شعبية ذات نطاق واسع خلال فترة حكمه التي وصلت إلى ثماني سنوات الآن.

باختصار فإنه استنفد بالفعل الأرواح (السبعة) التي يقال إن القط يمتلكها. ما يزيد من حدة مشاكله هو أن العام الجاري هو عام الانتخابات في باكستان. ويعلم مشرف أنه يتعين عليه أن يجتهد ويبتكر من أجل مد فترة رئاسته خمس سنوات أخرى ومن أجل أن يبقى قائد الجيش، وقاعدة أعدائه آخذة في التزايد. فهي تضم رئيسة الوزراء السابقة التي تم نفيها بنازير بوتو ونواز شريف، وهما الاثنان يتمنيان العودة إلى باكستان من أجل انتخابات الخريف المقبل.

بالإضافة إلى المتشددين الإسلاميين الذين يتهمونه بأن جيشه قد قتل رجال القبائل الباكستانيين الذين كانوا متعاطفين مع رجال حركة طالبان الأفغانية من أجل تهدئة روع الأميركيين أصحاب الحملات الصليبية، على حد وصفهم، ولأنه حنث بعهده الذي قطعه على نفسه بأن يكون رئيسا مدنيا فحسب. كما يوجد هناك أصحاب الطبقة الوسطى من العلمانيين الذين ضاقوا ذرعا بوعوده التي لا ينفذها بشأن إقامة ديمقراطية كاملة في البلاد إلى جانب الحلفاء الموجودين داخل طبقة الصفوة من العسكريين الذي يخشون أن يتحملوا معه مسؤولية ما يتخذه من خطوات خاطئة.

لقد تغلب مشرف على تحديات صعبة من قبل ولن يكون من السهل إزاحته من السلطة. لقد فازت بوتو بالانتخابات البرلمانية منذ خمسة أعوام، غير أن مشرف نجح في إزاحة حزبها من الحكومة عن طريق إقناع 10 من أعضائه بالانضمام إلى تحالفه ومن خلال الوصول إلى اتفاق سياسي مع تحالف ديني ضعيف الأركان يتكون من 6 أحزاب دينية متشددة تأمل في أن تأتي في يوم من الأيام بحكومة دينية إلى سدة الحكم.

غير أن قائدا سياسيا بحجم مشرف قد لا ينجو من الأزمة الحالية بشكل كامل. فاستطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى أن حزب بوتو وهو حزب الشعب الباكستاني لا يزال يتمتع بشعبية ، وإلى أن الإسلاميين الذين كانوا هم حلفاء الرئيس في الماضي قد تخلوا عنه بسبب تأييده للحرب الأميركية على الإرهاب.

غير أن مشرف لا يزال يقاوم بشراسة. ففي ضوء أنه يعلم أن البرلمان المقبل سيحتوي على عدد أقل من المؤيدين له مقارنة بالبرلمان الحالي، فإن مشرف ينوي المطالبة بإعادة انتخابه قبل تغيير الانتخابات البرلمانية الجديدة السقف السياسي الحالي، كما أنه يأمل في تمديد فترة سريان تعديل دستوري من المقرر أن ينتهي العمل به في العام الجاري، وهو تعديل يسمح للرئيس بأن يظل قائدا للجيش. وربما يقرر تزوير الانتخابات. غير أن كل هذه الخطوات من شأنها أن تثير له مشكلات مع المحكمة.

ومن ثم فإنه من المهم له للغاية أن يسيطر على المحاكم. لهذا السبب فإنه قرر في مارس الماضي إقالة افتخار محمد تشودري، كبير قضاة البلاد الذي رفض أن يعد بالحكم لمصلحة الرئيس. ولسوء حظ مشرف فإن القاضي رفض أن يذهب دون ضجة. فقد تسبب نقده للرئيس في إعجاب عدد كبير من الشعب به، وحثه الكثيرون على أن يجوب أنحاء باكستان ليحاضر في الناس بشأن أهمية وجود قضاء مستقل في البلاد. وفي الوقت الذي يفتقد فيه القاضي تشودري القاعدة السياسية التي تمكنه من تحدي الرئيس سياسيا، إلا أنه أصبح في وقت قصير رمزا من رموز تحدي حكم مشرف في باكستان.

و بشكل زاد من هموم الرئيس، تسربت إلى البلاد حوادث عنف طائفي من كل مكان في المنطقة، حيث شهد العام 2007 حتى الآن 80 حادثة عنف طائفي، وهو ما يعادل ضعف عدد الهجمات التي شهدها العام الماضي. وبالطبع فإن هذا المعدل يقل بكثير عما تشهده الساحة العراقية غير أن الهجمات في باكستان تتم بشكل أكثر تطورا وتعقيدا مع زيادة واضحة في عدد الهجمات الانتحارية التي تنطوي على استخدام فائق الدقة والتطور للمتفجرات.

و بالتوازي مع أحداث العنف الطائفي، لا يستهدف المسلحون السنة التابعون لحركة طالبان الحكومة والأهداف الغربية فحسب وإنما يستهدفون أيضا الشيعة. إن حقيقة الأمر تشير إلى أن الدعم الذي يلقاه الرئيس مشرف من واشنطن باعتباره حليفا قويا موجودا على خط المواجهة في الحرب على الإرهاب- هذا الدعم يزيد من المأزق الذي يجد فيه هو نفسه الآن. فمشرف يسعى غالبا إلى إرضاء الأميركيين على حساب موقفه الداخلي. غير أن الثمن السياسي الذي يدفعه إزاء هذا الرضا آخذ في التزايد.

وفي حال استمرار الرفض الشعبي لسياسات مشرف، فإن هناك إمكانية في أن تخرج الاحتجاجات الشعبية خارج حدود السيطرة مما قد يدفع الرئيس إلى إعلان حالة طوارئ، الأمر الذي سيزيد من وضع مستقبله السياسي على المحك. إن حل هذه المشكلات والعثرات سيستغرق وقتا طويلا ربما يكون أكثر من الوقت المتاح أمام مشرف الآن. من غير المحتمل أن يفقد مشرف قبضته على السلطة خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وحتى في حال عجز عن الاستمرار في السلطة خلال العام الجاري، فإن الجيش سيواصل قبضته على البلاد ويُبقي على علاقته الموالية للغرب وعلى استقرار الحكم.

غير أن باكستان مقبلة على حالة من الضبابية بالإضافة إلى أنه أصبح من الصعوبة التوقع بالمستقبل الأمني والاقتصادي للبلاد. الآن كل الأنظار تتجه لمشرف في الوقت الذي يتساءل فيه العالم عما بقي له من الوقت في السلطة.

خدمة لوس أنجلوس تايمز

خاص ل«البيان»