مفجع، محزن، ومخيف .. ولا أجد المصطلحات المناسبة للتدليل على ما يحدث بين الأخوة الفلسطينيين من اقتتال دموي ومن إبادة يومية، ونزيف لا يجف ولا يستكين.. لماذا.. وكيف، ولأي هدف، ولأية غاية، ومن أجل من، ولمن، بالنيابة عن من ؟ وبالأصالة عن من، خدمة لمن ؟ الدولة.. السلطة.. المعارضة.. القضية.. حق العودة.. حماس.. فتح..
ما هي الإشكالية بين أبناء الشعب الواحد؟ ما هي القضية التي يقتتل لأجلها أبناء فلسطين، وهل هذه القضية توازي كل هذه الضحايا، وهل هناك هدف لهذا الاقتتال، وهل يتحقق الهدف في مدى منظور، وإذا تحقق هذا الهدف على سبيل الفرضية، فعلى من، ولأجل من؟ وهل الخلاف هو على نمط الحكم والصيغة السياسية، فعلى من يتم تطبيق هذا النمط، ألا يفترض بقاء الشعب أو بعضه لتطبيق نمط حكم عليه؟
ألا يدري البعض، أو الكل، أنهم قد يربحون الصيغة السياسية، ولكنهم لا يجدون شعباً ليطبقوا عليه هذه الصيغة؟
ألا يعلم البعض ان استمرار ما يحدث من اقتتال قد لا يبقي على أحد من الفلسطينيين فيما لو أجرينا عملية حسابية بسيطة لعدد الضحايا التي تسقط يومياً وفيما لو استمر هذا التآكل اليومي (لا سمح الله، ولا قدّر)؟
غزة تأكل بعضها، غزة.. «جبل النار» كما كنا نسميها نحن جيل الإحباط العربي.. جيل الهزائم والانكسارات الكبرى.
غزة «جبل النار» هكذا كنا نسميها، في رحلة بحثنا عن انتصار ما عن رمز ما يعيد إلينا الأمل ببصيص نور ينقذ ما تبقى في وجداننا من توق للتحرك، وللخروج من هزيمة حاقت حتى بعقولنا وبأنفسنا بعد هزيمة 1967. وها هي «غزة» تحتضن جراحاتها وتلملم أشلاء ضحايا «المدينة الرمز».
فهل في هذا ثأر من نفسها.. أم ثأر من وعينا القومي الذي «تجرأ» على الهزيمة، واعتقد لوهلة ان بإمكانه تجاوز الهزيمة عبر انتفاضة غزة.. وانبلاج صبح المقاومة الشريفة الندي الذي روى تراب فلسطين.. كامل فلسطين بعطاءاته حتى أصبح رواية مشرّفة للتاريخ العربي الحديث.
ما الذي يحدث في غزة، وهل فيما يحدث بين الأشقاء أية إمكانية لتحرير المزيد من الأراضي الفلسطينية، أو أية إمكانية لتوسيع رقعة السلطة، أو تعميم لنهج سياسي ما؟ وهل يشكل هذا الاقتتال حماية للشعب الفلسطيني؟ أم أن ما يحدث هو لمصالح شخصية أو إقليمية، أم اننا نقحم غزة، وفلسطين عموماً في لعبة الأمم، وفي التجاذبات السياسية خدمة لجهة لا تمت لنا نحن العرب بأية صلة قربى أو مصلحة، أو تاريخ.. أو استراتيجية.. أو أولوية.. لماذا؟
لماذا تقتتلون.. وقد تعلمنا منكم محبة الأرض، والغيرة على الكرامة والشرف والوحدة الوطنية، والتعلق بالقضية. تعلمنا منكم الكثير من العادات، وأصبحتم في مكان ما قدوتنا ووجهة أنظارنا.. فماذا يحدث.. ومن هي الجهة التي أوقدت النار في مخادعكم.. في حدائقكم.. في بساتينكم.. في مساكنكم.. وفي نفوسكم؟
من الذي أشاع البغضاء فيما بينكم، والتباعد بين نفوسكم.. وأذكى الفتن بين ظهرانيكم، من الذي وضعكم على فوّهة أحلامه الإقليمية، ومصالحه الدولية، وجعلكم ملفاً للتفاوض وللمقايضة، و«للمبازرة» السياسية، وللمقاولة القومية، من الذي وضعكم في خانة التعهدات والعهدة، وحشركم تحت إبطه كورقة مطوية تبرز «غب الطلب»؟
وأين مصلحتكم في ذلك؟
وهل صحيح أن ما يحدث في غزة مرتبط أيضاً بما يحدث في لبنان؟ وما مدى علاقة ذلك بكل التشكيلات السياسية التي خرجت عن الشرعية الفلسطينية، وعن الإجماع الفلسطيني، وعن مصالح الشعب الفلسطيني الفعلية، لتصبح مؤسسات عامة في خدمة هذا الطرف العربي أو الإقليمي أو ذاك بعيداً عن أولوية واهتمام شعب فلسطين..
الا نتعلّم.. الا نقّرأ.. الا نتّعظ.. الا ندري جسامة الخطأ في أن نكون ملفاً أو ورقة في أجندات الآخرين، وطموحاتهم، ونهمهم السياسي؟ أوقفوا ما يحدث في غزة.. أوقفوا هذا الاقتتال البغيض.. وعودوا الى أصالتكم.. الى تاريخكم.. الى مصلحة شعوبكم، أوقفوا هذا الاقتتال العبثي.. على فتات الأهداف والاستهدافات الخارجية.
واستحضروا قياداتكم.. التاريخية وتجاربها المشرّفة.. استعيدوا في وجدانكم، استحضروا مسيرة رجالاتكم الذين وضعوا نصب أعينهم هدفاً وحيداً وهو إنهاء مسيرة التشرد والظلم والاضطهاد والنزوح. استعيدوا تجربة الراحل العزيز ياسر عرفات، رحمه الله، استعيدوا مسيرته ونضاله وتاريخه وتفانيه في سبيل مصلحة فلسطين والفلسطينيين فقط بدون أي التفات الى أي اعتبارات خارجية.
فلقد طرح الراحل شعار القرار الوطني الفلسطيني المستقل، وكان يعني ما يقول، ويطبق فعلاً لا قولاً ما يعنيه هذا الشعار من ضرورة وضع مصلحة الفلسطينيين فوق كل اعتبار بعيداً عن اللعبة الإقليمية والدولية.
أعيدوا الأولوية الى هذا المبدأ «القرار الوطني الفلسطيني المستقل»، استعيدوا ابو عمار الذي احتضن تحت كوفيته الرحبة كل الأطياف السياسية الفلسطينية، وكل مكوّنات المجتمع المقاوم في الداخل وفي الشتات، وأمسك بيد من حديد بمقدرات الثورة، وببندقيتها، وبأهدافها، وبفصائلها جميعاً، ودفعها باتجاه واحد وحيد وهو فلسطين. فيا اخواني في غزة.. أوقفوا هذا النزيف.
كاتب إماراتي
