الأم هي التي تعيش المأساة وهي التي تكتوي الآن من نيران أبنائها وليس من رصاصات عدوها. ابن لها ينتمي ل«فتح».. والآخر نصير ل»حماس»، تنصر من على من؟! الابنان يتنازعان.. يتصارعان.. يتقاتلان. والأم هي التي تسدد ثمن موت أحدهما برصاص الآخر أو موتهما معا.

الأم.. فلسطين الغالية.. في البداية رفع اخوتها أياديهم عنها وصمتوا على عدوها وعدوهم، واكتفوا بذرف الدموع عليها، بعد أن عجزوا عن ردع العدو المشترك، والآن صار العدو هم الأبناء. المشهد الدامي الذي نراه على أرض فلسطين. تصوره ريشة رسام كاريكاتير في صحيفة التايمز البريطانية. رسم لفلسطيني مسلح مقنع يطلق النار في شوارع غزة، ولكن فوهة بندقيته التي يطلق منها رصاصاته مصوبة نحو وجهه وهو يضغط على الزناد. انه يطلق الرصاص على نفسه.

نعم القاتل هو القتيل.. والمنتصر هو المهزوم.. والجاني هو نفسه المجني عليه.. وفلسطين التي يدنسها الاحتلال على مدى ستة عقود أو أكثر هي الضحية التي يتقاتل أبناؤها بعد أن لفظوا الحوار والتصالح والرحمة فيما بينهم. فلسطين تبدو الآن وكأنها في مهب الريح. فهل هذا هو المصير؟ حتى لا نتحامل على أبناء الوطن الواحد المغتصب، علينا أن نسأل: لماذا وصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن؟.. ومن الذي صنع المأساة التي تدمي قلب كل عربي من أبناء الأمة المنكوبة؟

ناهيك عن أشقاء فلسطين الذين فوتوا فرصا عديدة لإنقاذها. ولم يعد يجدي البكاء على اللبن المسكوب. بل ولن نجني من جلد ذاتنا سوى المزيد من المرارة والألم، المأساة صنعها أولئك الذين فرضوا على الشعب الفلسطيني هذا الحصار الخانق الذي جعل من غزة ومدن الضفة سجونا مكشوفة تفرض قيودا صارمة على ساكنيها، غزة التي تعيش بأبنائها على رقعة جغرافية محدودة.. تختنق بأكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يئنون من وطأة حصار مميت، أحالهم إلى فقراء ومعدمين.

تقرير «سوتو» عن شعب فلسطين، يدين إخفاقات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط فتلك السياسة كما يقول داعمة لإسرائيل وكان لابد أن يكون لها ردود فعل سلبية جدا على الفلسطينيين. ويتطرق الى العلاقة السياسية بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة منتقدا الضغط الأميركي على المنظمة الدولية وتشجيع واشنطن للرقابة الذاتية داخل المنظمة حين يتعلق الموضوع بانتقاد اسرائيل.

ابناء فلسطين المتقاتلون، وان كان الأجدر بهم تجنب الحوار بلغة السلاح والصراع الدامي، إلا أن المسؤولية فيما يجري لا تقع فقط على عاتقهم، بل تتخطاهم الى من يديرون شؤون المجتمع الدولي الذي يفرض منذ اكثر من عام حصارا اقتصاديا على الفلسطينيين، مما ادى الى ارتفاع البطالة الى درجة هجرة الكثيرين من اصحاب الخبرات الذين لا يمكن الاستغناء عنهم في الأراضي الفلسطينية كما تقول صحيفة الاندبندنت البريطانية.

محللون أميركيون تحدثوا أيضا عما يجري وقالوا إن المأساة، ترجع في المقام الأول الى اخفاق الرئيس الأميركي جورج بوش في أن يفي بوعده الذي قطعه على نفسه منذ خمس سنوات، عندما وعد بإقامة دولة فلسطينية، وصار الوعد وهما وسرابا.

انه إذا كان لزاما بل وفرضا على «فتح» و«حماس» أن ينظرا قبل أي شيء الى مصالح شعبهما ويتجاوزا الصراع والتنافس، فانه لزاما أيضا على المجتمع الدولي أن يفرض هيبته، وأن يردع الذين يدوسون بأقدامهم على مقررات الأمم المتحدة.

كل ما تملكه جامعة الدول العربية التي من المفترض أنها تعبر عن نبض الأمة، هو «التعبير عن الغضب العربي العارم إزاء الاقتتال غير المقبول» والدعوة إلى «وحدة الصف الفلسطيني»، كما هي العادة في بياناتها. فما بيدها حيلة أكثر من ذلك. اما الذين يديرون الآن شؤون المجتمع الدولي، فإنهم يملكون بأيديهم تطبيق العدالة الدولية إذا شاؤوا، ولكنهم للأسف يطلقون الوعود ويتجاهلون تنفيذها.