لا يحتاج الشارع العربي إلى من يشخّص له الأوضاع المزرية التي تمر بها الأمة، فالمتابعة اليومية، وقليل من القدرة على التحليل المنطقي، كفيلان بجعل المواطن العربي يدرك حقيقة ما يجري، وربما أبعد من ذلك.
لكن هذا المواطن المأزوم والمحاصر من كل حدب وصوب، قد لا يربط هذه الفوضى العارمة التي تنتشر على الساحة العربية، بالمخططات بعيدة المدى، والمشاريع المطروحة، فهو قد يسمع عن الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاّقة والحروب الاستباقية وغير ذلك، ولكنه يجد نفسه غير مضطر لدراسة وفهم وتحليل هذه المصطلحات ومع ذلك، فإنه يلقي بمسؤولية ما يجري على الدولة الأعظم في عالم اليوم.
وقد لا يحتمل المواطن العربي فكرة أن يكون بعض أهل الدار متورطين في مخططات ومشاريع تستهدف الأمة العربية: تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، لذا فهو يبعد ذلك عن تفكيره، ليس عن إيمان بل عن تمنٍ وأمنيات.
كان أملنا فعلاً ألا يكون هناك منخرطون فيما يرسم للمنطقة من أهل الدار، لكن يهوذا الاسخريوطي يعشعش بين صفوفنا، ويلعب دوره على أكمل وجه في المشاريع التآمرية التي تستهدف الأمة.
يهوذا الاسخريوطي موجود في كل مواضع الخلل، ومناطق التوتر والانفجارات والفوضى، ويعمل في العلن حيناً، وفي الخفاء أغلب الأحيان، ضد المصالح العربية العليا: يغذي الفتن والأحقاد، يحرض على الفوضى والاقتتال بين الإخوة والأشقاء، يزرع الألغام والأسافين في العلاقات بين الدول العربية، يستقوي بالأجنبي على بلده والبلدان الأخرى، يعتبر الشقيق عدواً، وإسرائيل صديقاً، والولايات المتحدة حامية له وصاحبة الحق في فرض الانتداب على الدول العربية.
يهوذا الاسخريوطي اللبناني هو ذلك الشخص أو الجماعات التي ترفض الوحدة الوطنية وتعمل على تكريس فيدرالية وكانتونات قائمة على أساس طائفي تنفيذاً «لوصايا» حكماء صهيون، ولمقررات منظمة المؤتمر الصهيوني المنشورة في مجلة «كيفونيم» مطلع العام 1982.
و...يهوذا الاسخريوطي اللبناني، هو الذي يتهم سورية بالجرائم والاغتيالات والتفجيرات بعد ثوان قليلة من وقوعها، مستبقاً أي تحقيق جنائي، وناسفاً كل قواعد المنطق والقانون، ليس خدمة للمصلحة اللبنانية، ولا تعاطفاًَ مع الشهداء والمصابين، ولا حتى لمصلحة هذا الفريق الضيقة، وإنما لأنه يريد أن يكون يهوذا الاسخريوطي وأن يصلب لبنان والعروبة كرمى لعيون المحافظين الجدد، حملة «وسام الأرز»، وخدمة للمشروع الأميركي ـ الصهيوني، القديم ـ الجديد في المنطقة.
ويهوذا الاسخريوطي الفلسطيني، هو كل من ينسى المصلحة الوطنية ويشهر السلاح في وجه شقيقه الفلسطيني، ويهوذا هو كل من يعمل لمصلحة العدو، اعترف بذلك أم لم يعترف، وكل من يسقط خيار المقاومة لمصلحة خيار التنازلات والاستسلام.
ويهوذا الاسخريوطي العراقي، هو كل من يقتل على الهوية، ومن يرتكب المجازر الإرهابية البشعة ضد أبناء العراق الأبرياء، وكل من يسهم في تغذية الأحقاد والفتن ويسلّم بقضاء الاحتلال وقدره.
ويهوذا الاسخريوطي العربي هو كل من يتجاهل المخاطر التي تتعرض لها الأمة، ويطلب النجاة لنفسه والحفاظ على الكرسي، وكل من نسي الشعب ومصالحه العليا وعمل على مبدأ «العين لا تقاوم المخرز» و«إذا جاءت العاصفة فاحنِ رأسك» وغيرهما من مبادئ ومقولات استسلامية لتبرير الترهل والعجز والتقوقع خلف حدود إقليمية لن تصمد أمام العواصف.
الصدمة والحزن والخوف مما هو آت، والصمت الرسمي و... غير ذلك، كل هذه العوامل جعلتنا نتحدث بهذه اللغة التشاؤمية، ونقرع أجراس الانذار وننبه من واقع أليم ومستقبل ضبابي بل ...مظلم، كي لا نسهّل مهمة يهوذا الاسخريوطي العائد إلينا، وكي لا تصلب الأمة وتنتهك حرماتها وسيادتها وتُسلب حقوقها.
في هذه الأجواء علينا أن نلاحظ بكل موضوعية وربما حيادية ـ ولا يمكن أن نكون حياديين ـ أن «أبطال» نظرية «الفوضى الخلاّقة» حققوا قسطاً لا بأس به من أهدافهم، فما يجري في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة، هو ذروة الفوضى.
ولابد لنا من الاعتراف بأن يهوذا الاسخريوطي يحمل هوية تشبه هويتنا، وله ملامح تشبه ملامحنا وربما نراه مندساً بين تلامذة السيد المسيح : لكنه ليس منّا ولن يكون، وعلينا جميعاً الإشارة إليه بالبنان، إن كان تلميحاً.. أو تصريحاً... فالأوضاع اليوم لا تحتمل أي تساهل أو تجاهل أو تهرب من المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق أصحاب الفك والربط على ساحتنا العربية.
