دخلنا العصر الحجري الجديد بعملية وقف للزمن، فقد أصبحنا نرى داحس والغبراء الفلسطينية تتكرر بإعلان سقوط أسرى بيد حماس من فتحاويين عدوانيين وعملاء، وبلبنان كادت أن تعلن إمارة طرابلس بيد فتح الإسلام، وقد تلتها إمارة غزة، وبيت لحم، وإمارة الجنوب في لبنان، وإمارات أخرى في العراق والسودان.
لتسقط الحاميات الدستورية والقانونية، والحكومات الديموقراطية والدكتاتورية، ليصاغ برنامج يفصّل على كل فرد أمير في الامارة الكبرى، لأنه لا يوجد في الدائرة العربية من لا يستحق الزعامة والمركز المعنوي والسلطة المطلقة، وشرف الإمارة.
في فلسطين المأساة أكبر، من يراقب المشهد والحديث عن إزاحة الفاسدين والرد الآخر بوجود مؤامرة إسرائيلية أميركية دولية بعناصر عربية، وكونية لعزل غزة عن الضفة، لا يعرف من هو هذا الشيطان الهلامي الذي تغلغل في أدمغة القادة والحزبيين ليخلق التقسيم الجديد الذي قد ترافقه جوازات سفر وتأشيرات دخول وخروج، وجمارك بحكومتين ورأسين.
والقضية هنا تنذر بهذه الاجراءات ولخلق فوضى تكريس التقسيم وقد شهدنا الغرب وأميركا يدعوان إلى نزع المقاطعة عن دولة الضفة الغربية وإبقائها على دولة غزة التي ستحظى بمؤيد وداعم آخر إسلامي أو متدثر بالإسلام السياسي، لينشطر الوطن إلى غرب وإسلام.
الحلقة الأخرى أن المتآمرين يخططون لإعادة إشراف مصر على غزة وضم الضفة إلى الأردن للتخلص من دولة فلسطينية بجناحيها الفتحاوي والحمساوي والتفاوض على الاجراءات القادمة مع إسرائيل بحل يزيل عنها كابوس كيان فلسطيني يطالب بالقدس عاصمة له.
هذه الآراء تأتي من خلال تراكم ثقافي عن المؤامرة لكن الظاهرة الفلسطينية أقنعتنا بفشل الديموقراطية ونصفها حتى بين أصحاب القضية الواحدة الذين لا تفصلهم مذاهب وقوميات إلا القتال على الكراسي، واصدار القرارات بعزل رئيس الوزراء لأنه لم يعد وجوده قانونياً، ورفضه التنفيذ لأنه يسيطر على امارته بغزة.
الفاصل الأخير في "الكوميديا السوداء" أن مصر ليست على استعداد لأن تشكل حكومة انتداب على غزة، لأن لديها من القضايا والتشابكات الإقليمية والدولية وكذلك التجارب ما يجعلها ترفض هذه الدعوة لو قدمت لها من أي جهة، وبطبيعة الحال فالأردن لا تستطيع إضافة مشكلة جديدة وهي التي تعايش تزايد اللاجئين العراقيين إلى جانب اللاجئين الفلسطينيين لتضيف أحمالا كبرى على ظهرها، وسيبقى الحل فلسطينياً، أو حلول الكارثة.
