انتقد الرئيس فلاديمير بوتين النظام الاقتصادي العالمي، واعتبر منظمة التجارة العالمية إطارا دوليا يفتقد الديمقراطية. وأعرب بوتين عن استيائه من اعتماد النظام المالي العالمي على عملة أو عملتين، باعتبار أنه لا يعكس متطلبات الاقتصاد العالمي، حيث يسبب تذبذب أسعار هذه العملات آثارا سلبية على الاحتياطي المالي للبلدان وبعض قطاعات الاقتصاد.
ودعا رئيس روسيا الاتحادية في كلمته أمام منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي إلى إيجاد بديل لمنظمة التجارة العالمية، معتبرا أن المنظمات الدولية الموجودة غير قادرة على تنظيم أنشطة الأسواق الدولية العامة، بل لا تراعي مصالح مختلف الأطراف بسبب تجاهلها لتوزيع القوى المعاصر، واقترح تأسيس منظمة أوروآسيوية شبيهة بمنظمة التجارة العالمية، واعتبر ان تجاوز هذه التحديات يمكن في حال ظهور عدد من العملات العالمية الاحتياطية وعدد من المراكز المالية.
ووعد بوتين بتطوير سوق المال والقطاع المصرفي الروسيين لكي تتزايد جاذبية العملة الروسية الروبل. وأكد على أن الروبل الذي أصبح عملة قابلة للتحويل عمليا بعد إلغاء القيود المتعلقة بالعملات يجب أن يستخدم بنشاط في الحسابات التجارية الخارجية.
ومما لاشك فيه أن استياء بوتين وتصريحاته الغاضبة لا تعني أن روسيا تنوي التخلي عن مشروع الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، بعد جهود ومفاوضات استمرت لأكثر من 14 عاما، ولم يبق سوى التوصل إلى اتفاق مع 4 أعضاء في المنظمة هم فيتنام وكمبوديا وغواتيمالا وجورجيا للحصول على عضوية المنظمة العالمية. ما دفع نائب رئيس الوزراء الروسي الكسندر جوكوف للإعلان عن قناعته بأن روسيا ستنضم إلى المنظمة قبل نهاية عام 2007.
ومنذ عام كان الرئيس بوتين قد اتخذ قرارا على طريق جعل الروبل عملة قابلة للتحويل، وسمح القرار للمواطنين الروس بفتح حسابات بنكية في الخارج، واستثمار أموالهم في الشركات الأجنبية، ما فسح المجال لزيادة حجم الاستثمارات الروسية في الخارج، حيث بلغ حجم رؤوس الأموال الروسية العاملة في الخارج حوالى140 مليارا، وهو ما يساوي حجم الاستثمارات الأجنبية في روسيا.
واعتبر خبراء الكرملين أن هذا الأجراء هو خطوة هامة على طريق النضج الاقتصادي، حيث بدأت عمليات بيع النفط والذهب في البورصات الروسية تتم بالروبل، وراهنت وزارة المالية على أن هذا الاجراء يمكن أن يؤدي إلى انتزاع اعتراف صندوق النقد الدولي بالروبل كعملة احتياطية.
إلا ان هذه الإجراءات لم تسر كما كان مخططا لها باتجاه تحرير أسعار صرف العملات من إشراف البنك المركزي، خوفا من ارتفاع معدلات التضخم. وذلك لأنها لم تترافق مع إصلاحات جذرية في أنظمة العمل البنكي وأسواق المال الروسية.
حيث تعانى البنوك الروسية من عشوائية في سياسات الإقراض، واستثمار ودائعها تنذر بحدوث أزمات أكثر عمقا من سابقاتها، ويمكن أن تنعكس هذه الأزمات بشكل عميق ليس فقط على قطاع الطاقة، وإنما أيضا على قطاع التشييد والبناء الذي يعتمد بنسبة تزيد على 60%على القروض البنكية، التي تحصل عليها الشركات او السكان لشراء المساكن.
وتكشف الإحصاءات الرسمية أن أكثر من 80 بنكا يشهرون إفلاسهم سنويا، بسبب نقص السيولة والمخاطرات في العمليات الاقتصادية وفى القروض. وقد يعتقد البعض أن استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية التي تحقق أرباحا في ظل سياسة انخفاض أسعار الدولار في المرحلة الراهنة هو مؤشر ايجابي، إلا ان الأمر ليس كما يعتقدون بل هو ما يهدد بتطور الوضع إلى حالة تقترب مما حدث عام 1998.
باعتبار أن رؤوس الأموال المضاربة تستغل هذا الوضع في توظيف مزيد من الاستثمارات الدولارية، التي ستزيد من تقوية مواقع الروبل، وزيادة أسعاره، لتحقيق مزيد من الأرباح الدولارية عبر المضاربة والسمسرة، وستؤدي هذه السياسة إلى أن تفقد الحكومة القدرة على السيطرة على أسعار العملات المحلية والأجنبية في الأسواق الداخلية، والتطور اللاحق في هذا الإطار سيؤدي لحالة من القلق في أوساط المستثمرين، وهروب رؤوس الأموال.
وتدفق عائدات النفط مع تدفق رؤوس الأموال المضاربة لا يمكن أن يؤدي لتحويل الأسواق الروسية إلى مركز مالي عالمي، لان التطور اللاحق يمكن أن يتشابه مع ما حدث في الأسواق الآسيوية في نهاية القرن الماضي.
بل قد يؤدى للإصابة «بالمرض الهولندي»، والذي يتصف بركود الصناعة التحويلية، بينما تحقق الصناعة الاستخراجية أرباحا فاحشة. ويكمن خطر هذا المرض في ان تدفق عائدات الصادرات النفطية على البلد المصدر يؤدي إلى انخفاض قيمة العملات الأجنبية في السوق المحلية وارتفاع قيمة العملة المحلية.مما يؤدي لانخفاض أسعار السلع المستوردة، وارتفاع أسعار المنتجات المحلية.
ويواجه قطاع الصناعات التحويلية في روسيا مشكلة عدم توفر الإمكانات الضرورية لمنافسة منتجات الدول الصناعية المتقدمة الأخرى. ويؤدي تدفق أموال النفط على روسيا لدعم العملة الروسية الروبل، مما يزيد من حدة الأزمة، نتيجة لزيادة أسعار السلع المحلية. وهو ما نلمسه في انخفاض معدلات نمو الصناعة، وتراجع معدل النمو الاقتصادي من 3 ,7% في عام 2004، إلى 1 ,6% خلال النصف الأول من العام الحالي.
من المعروف أن تنامي النفوذ الاقتصادي في الأسواق العالمية وزيادة حصة الشركات الروسية لابد أن يتم عبر منافسة حرة حادة، وهو ما تعاني منه روسيا حيث تجري محاولات لتحجيم نفوذها الاقتصادي عبر المماطلة في ضمها لمنظمة التجارة العالمية، وعبر فرض حواجز على نشاطات شركاتها في الأسواق الأوروبية، في نفس الوقت الذي يواجه الاقتصاد الروسي مفترق طرق يتطلب الحكمة والخبرة لإدارة النشاط الاقتصادي بما يضمن عدم التعرض لأزمات طاحنة.
وتحويل السوق الروسي لمركز مالي يتطلب إجراءات اقتصادية أكثر عمقا من مجرد تدفق رؤوس الأموال او السيولة النقدية، ويتطلب توفر القدرة للسيطرة على أسواق المال وفق قوانين السوق الحر. واذا كانت روسيا تواجه مخاطر انخفاض إنتاج النفط الذي تبلغ حصته من المدفوعات الضريبية حوالي 40%، وتشكل عائداته ربع الناتج المحلي الإجمالي، بسبب ضعف عمليات استكشاف حقول جديدة وعدم تحديث البنية التحتية والمعدات والآليات العاملة في مجال استخراج النفط.فان هذا الوضع يهدد بأزمة ستواجه الاقتصاد الروسي خلال عام 2009، بسبب تناقص معدلات التصدير مقارنة بمعدلات الاستيراد، في ظل توقعات العديد من الخبراء بانخفاض أسعار الطاقة.
مركز دراسات الطاقة ـ روسيا