ما الذي يحدث في وطننا العربي من أقصاه إلى أقصاه؟ هل فعلاً ما عاد في الأمة من عقلاء يدركون أبعاد الفتنة والاحتراب واقتتال الإخوة الأعداء في فلسطين والعراق ولبنان والصومال؟ هل أصبحنا أدوات ودمى تحركها أياد ما عادت خفية لدى كل ذي بصيرة؟

أسئلة كثيرة ولكن الإجابة عنها ليست عسيرة، فالولايات المتحدة الأميركية بعد تلقيها ضربات موجعة في الصومال وأفغانستان والعراق ولبنان تعلمت اكبر درس بعد درس فيتنام وطبقت قولا وفعلا ما أسمته خلال احتلالها لفيتنام الجنوبية بنظرية «الفتنمة» وهو ترك غيرها يخوض حروبها نيابة عنها سواء كانوا من أهل البلد المنكوب أو بأدوات خارجية وقوى إقليمية، وهذا ما اعترفت به الإدارة الأميركية مؤخرا بإرسال «مرتزقة» (بلاك ووتر)، من بلدان عديدة يحاربون في العراق وهم مدفوعو الأجر وينفذون مهام قذرة موكولة لهم، وهذه مسألة.

أما المسألة الثانية وحتى لا يقال عنا نحن العرب إننا موتورون ونؤمن بنظرية المؤامرة ونلقي اللوم جزافا على أميركا ودولة «الكيان الصهيوني» ـ ربيبتها وأداتها في المنطقة العربية ـ لنهرب من تحمل المسؤولية، فقد تبنت أيضاً إدارة الرئيس الأميركي جوج بوش تقريرا أعدته مؤسسة بحثية.

خاصة بعد فشل فرض مشروعها في العراق بالقوة بضرورة عدم الاكتفاء فقط بسياسة التدخل العسكري المباشر في مناطق النزاع المختلفة الدائرة في دول كثيرة ومنها دول المنطقة العربية ـ والتي تعرف باسم «قوس الأزمات» من أفغانستان إلى الصومال ـ إذ أوصت هذه الدراسة البحثية بالاستعانة بأدوات أخرى يمكن تسميتها «الطابور الخامس» تحت مختلف الأسماء والشعارات من قومية أو دينية وقوى متطرفة أو منفلتة امنيا وغير ذلك، لتشارك في تنفيذ مشروعها وسياستها في العالم عامة وليس فقط في المنطقة العربية.

إذن هكذا يمكن أن نفهم السياسة الأميركية بعد وصول المحافظين الجدد وتحكمهم في إدارة البيت الأبيض وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، وهكذا أيضاً يمكن أن نفهم التدخل العسكري الأثيوبي المباشر في الصومال للقضاء على قوات المحاكم الشرعية لصالح الحكومة الموالية ولجوء الطيران الأميركي مؤخرا لقصف مواقع قوات المحاكم الشرعية. وكذلك لا يمكن فهم كيف تقصف الطائرات الأميركية مواقع مدنية في أفغانستان وموقعا للشرطة الأفغانية سقط خلالهما عشرات الضحايا بين قتيل وجريح؟!

مسألة ثالثة هل يعقل ان يقدم مسلم فيه ذرة من كرامة أو ضمير على تدمير مساجد العراق سواء كانت تابعة للسنة أو الشيعة إلا إذا كان هذا الأمر تنفيذا لنظرية «الفوضى الخلاقة» التي تؤمن بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس؟ ان ما يجري فعلا في العراق هو تدمير لحضارة بلاد الرافدين ودفع البلاد لأتون الحرب الأهلية وهذا كله بعد القضاء على الجيش العراقي وتسريحه لصالح المشروع الأميركي ـ الصهيوني المشترك وهو إغراق للبلد في فوضى غير خلاقة.

وهكذا أيضاً يمكننا أن نفهم ما يجري في لبنان من اغتيالات وتدمير لمخيم نهر البارد ومعارك كسر العظم بين الإخوة الأعداء في غزة خاصة وفلسطين عامة تحرق الأخضر قبل اليابس تمهيدا لفرض الطوارئ وما يعقبه من أمور ليست في صالح أبناء الشعب العربي الفلسطيني أبداً، وإنما تصب لصالح الكيان الصهيوني وقوات الاحتلال التي لا تتوانى عن اغتيال قادته وكل مقاوم شريف معارض لمخططها الذي التهم القدس العربية بالكامل وزرعها بالمستعمرات وباليهود من كل حدب وصوب.

ولكي لا يدعي الليبراليون الجدد العرب ومدعو الديمقراطية بأننا أيضاً لا نقدر الديمقراطية ونقف مع الديكتاتورية والقمع فنريد تذكيرهم فقط بما قامت به المخابرات المركزية الأميركية عبر تاريخها القذر من إسقاط لأنظمة منتخبة ديمقراطيا في إيران عام 1953 ونقصد بها حكومة محمد مصدق فضلا عن إسقاط نظام سلفادور الليندي في تشيلي المنتخب ديمقراطيا بانقلاب عسكري نظمه ديكتاتورها السابق بينوشيه بالإضافة لسلسلة من الانقلابات العسكرية في تركيا عام 1980 وباكستان بقيادة الجنرال الراحل محمد ضياء الحق والحالي برويز مشرف ودعمها لهما بكل ما اوتيت من قوة.

وقائمة الانقلابات والاغتيالات تطول فضلا عن المهام القذرة مثل قضية إيران كونترا والتي أطلق عليها إيران جيت وغيرها كثير. رغم كل السواد الذي يلف منطقتنا العربية والإسلامية ورغم الهجمة الشرسة الأميركية ـ الصهيونية فإننا لا نفقد الأمل مطلقا بغد أكثر إشراقاً وبشمس اسطع من الغائبة طالما بقيت في هذه الأمة قوى حية تقاتل في كل مكان وتزرع الآمال وتفرض واقعا جديدا أكثر أمنا وأمانا وعدالة ولا بد ان يتحرك الشارع العربي وقواه الحية التي رفضت هزيمة حرب عام 1967.

وتمكنت بعد اقل من عام من خوض معركة الكرامة والشرف في الأغوار الأردنية عام 1968 وخاضت حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية وتمكنت من زرع حائط الصد بالصواريخ ووضعت خطة جرانيت التي تم اعتمادها عام 1973 لخوض حرب أكتوبر ـ رمضان واجتياز خط بارليف وتدميره وزرع العلم العربي المصري على الضفة الشرقية من قناة السويس. وتماما كما فجر الشعب العربي الفلسطيني انتفاضتي الحجارة عام 1987 والأقصى عام 2000. وان غدا لناظره قريب.

musaabueid@hotmail.com