لم تشأ قيادة «فتح» أن تنفي ما أوردته وكالات الأنباء نقلاً عن «مصادر فلسطينية» بأن طائرات إسرائيلية تقوم ببث صور حية إلى أجهزة استقبال داخل مقر «الأمن الوقائي» التابع للسلطة الفلسطينية. وهي صور لرصد تحركات قوات «كتائب عز الدين القسام» التابعة لفصيل «حماس» يعاد نقلها إلى القوات الميدانية للأمن الوقائي لتساعدها في ملاحقة عناصر كتائب القسام.
المغزى واضح بما يكفي، لكنه يزداد وضوحاً إذا أخذنا في الاعتبار أيضاً أن قائد جهاز «الأمن الوقائي» في قطاع غزة هو محمد دحلان ـ تلك الشخصية الأثيرة لدى إسرائيل والولايات المتحدة. وهكذا يبقى اشتعال حرب أهلية فلسطينية لا تتوقف إلا لتتجدد قدراً حتميا طالما بقيت هناك فئة فلسطينية تمارس السياسة والعنف وفقاً لأجندة إسرائيلية ـ أميركية.
مرتكز هذه الأجندة كما نعلم هو بإيجاز منع قيام دولة فلسطينية مستقلة بحال من الأحوال. وفي مقدمة المشروع الإسرائيلي المراد تنفيذه على هذا الطريق هو استكمال بناء الجدار الفاصل الذي يشق أرض الضفة الغربية رأسياً مبتلعاً مساحات شاسعة من الأرض الفلسطينية لينتهي إلى إكمال رسم حدود توسعية جديدة لإسرائيل، ومن ناحية أخرى يتضمن المشروع مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية لأغراض التوسع الاستيطاني اليهودي بما في ذلك القدس ومحيطها.
هذا المشروع يتطلب بالضرورة فوق أي اعتبار تحييد المقاومة الفلسطينية المسلحة التي تمثل «حماس» رأس حربتها. وهذا هو الدور المطلوب من قيادة السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية وما يتبع لها. ربما لا نستطيع أن نجزم بأن السلطة الفلسطينية وأجهزتها وتنظيماتها تتجاوب عمداً وقصداً مع المشروع الإسرائيلي المسنود أميركياً، لكن المسلك الفعلي للسلطة على الأرض لا يوحي إلا بذلك.
تنفيذ هذا الدور يتطلب عملاً دؤوباً على صعيدين: سياسي وقتالي بهدف استنزاف حماس وفصائل المقاومة الأخرى باستدراجها إلى مسائل انصرافية. سياسياً يفتعل أصحاب الدور حوارات ومؤتمرات جدلية بيزنطية باسم توحيد العمل النضالي، وعلى الصعيد الآخر يتعمدون القيام بأفعال استفزازية لجرجرة فصائل المقاومة إلى صدامات بهدف إشعال فتن دموية، كما هو حاصل الآن.
في سياق حرب البيانات المتبادلة حالياً بين قيادتي فتح وحماس على خلفية الاقتتال الجاري في قطاع غزة اتهم أحد قادة فصيل حماس الطرف الآخر بأنهم ينفذون مخططا من وضع «دايتون»، والجنرال دايتون هو الممثل المقيم لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في الأراضي المحتلة.
وبهذه الصفة فإن من أبرز المهام المكلف بها الإشراف على برامج تدريب الحرس الرئاسي التابع لرئيس السلطة الفلسطينية وتحديث الكفاءة القتالية لقواته عن طريق إمدادها بما تحتاج من أسلحة وتجهيزات، ومن المدهش حقاً أن المسؤولين الإسرائيليين لا يحرصون على إخفاء الهدف من دعم وتقوية الحرس الرئاسي. فهم يصرحون علناً بأن الغاية المنشودة هي تمكين قوات الرئيس الفلسطيني من القضاء على قوات حماس نهائياً.
إن اشتعال حرب أهلية فلسطينية ـ فلسطينية أمر مؤسف في كل الأحوال، لكن ماذا يبقى لحماس من خيار سوى الدفاع عن النفس في وجه جبهة إسرائيلية أميركية تشارك فيها قوة فلسطينية محلية؟