بسيطرتها على قطاع غزة، ومعظم المقار الامنية السابقة التابعة للرئيس الفلسطيني محمود عباس وتنظيم فتح الذي يتزعمه، قد تكون حركة حماس قدمت خدمة كبيرة، ودون ان تقصد، لهذا التنظيم اي فتح ، واوقعت نفسها في مصيدة كبيرة اسمها السلطة، وادارة هذا القطاع الذي تحول الى لعنة لكل من يقترب منه لصعوبة السيطرة عليه.

الوضع الامني في قطاع غزة تم حسمه لصالح حماس في الوقت الحالي على الاقل، وهذا يعني، ولو نظريا، نهاية الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني، واغلاق ابواب الحرب الاهلية، مثلما يعني ايضا انهاء دولة لوردات الامن وامبراطورية الفساد التي حكمت هذا القطاع لعدة سنوات، واستعصت على اوامر الرئيسين الفلسطينيين الراحل ياسر عرفات، والحالي محمود عباس.

هذه الدولة وما ارتبطت به من فساد وتجاوزات قانونية انهارت، وبدأت تحل محلها دولة حماس او دولة جناح عز الدين القسام على وجه التحديد. الاولى جاءت عبر نافذة اتفاقات اوسلو، والثانية من خلال هجمات عسكرية اوقعت عشرات القتلى ومئات الجرحى من ابناء القضية الواحدة.

هناك عدة اسئلة تطرح نفسها بإلحاح اولها عن الفترة الزمنية التي يمكن ان تعيشها هذه الدولة او الدويلة الجديدة في ظل الرفض الدولي والاقليمي لها، وثانيها حول كيفية ادارتها للقطاع، وتعاملها مع مواطنيه، وقدرتها على توفير الطعام والخدمات الاساسية من ماء وكهرباء وطبابة ووقود لمواطنيه الذين يقترب عددهم من المليونين بسبب الزيادة غير العادية في عدد السكان نظرا لارتفاع الخصوبة ومعدلات الولادة.

من المفترض ان تتعامل حركة حماس المنتصرة مع جميع المواطنين على قدم المساواة، وخاصة ابناء حركة فتح ، وان تتخلى عن النزعات الانتقامية او الثأرية المتأصلة في نفوس بعض كوادرها وقياداتها في الصفين الاول والثاني على وجه الخصوص.

فعندما كانت حركة فتح هي التي تحكم وتتولى المهام التنفيذية لم تتعرض للفصائل الاخرى، وظلت التجاوزات محدودة للغاية، وفي فترة معينة وقصيرة انحصرت تحديدا في مرحلة ما بعد اوسلو وتطبيق بنود اتفاقياتها على الارض.

حركة حماس يجب ان تتذكر انها باتت مسؤولة عن جميع ابناء القطاع دون تمييز، ولذلك لا بد من الرأفة والتسامح والعقلانية كأسلوب للتعامل والتعاطي مع هؤلاء المواطنين.

والحركة مطالبة بأن تقدم النموذج الافضل والنقيض لنموذج خصومها الذي طالما اتهمته بالفساد والظلم والتنكيل بالمواطنين. وربما يفيد التذكير بأن الوقوف في خندق المعارضة وتوجيه النقد والاتهامات مهمة سهلة للغاية بالمقارنة مع استلام دفة المسؤولية في واحدة من اكثر المناطق صعوبة واضطرابا في العالم بأسره.

هزيمة اجهزة فتح الامنية في غزة ربما تكون خطوة مفيدة لهذه الحركة الوطنية التي تحملت مسؤولية النضال الفلسطيني وحدها لأكثر من ثلاثين عاما من حيث البدء في مرحلة من التأمل والمراجعة، واعادة البناء على اسس سليمة وجديدة.

فتح تخلصت من بؤرة من العفن كانت تتغلغل في اهم مفاصلها، وتسمم اجواءها، وتنعكس سلبا على سجل انجازاتها الوطنية الحافل. وباتت هناك فرصة كبيرة وحقيقية للبناء بطريقة مختلفة تعتمد على الشباب النظيف الذي يمكن ان يعيد للحركة شبابها وصورتها الوطنية الناصعة