لم يسبق للمنطقة أن واجهت خلطة من التحديات والضغوطات والاستحقاقات؛ كالتي تواجهها الآن. لا في نوعيتها ولا في كثافتها؛ ولا بالتأكيد في تزامنها. النيران التي هدرت في مثلث الحريق، من بغداد إلى غزة مروراً ببيروت، يوم الأربعاء؛ حملت رسالة واضحة وربما بمثابة الإنذار الأخير: إما محاصرة النار واستنفار كل الإطفائيات العربية لتطويقها، إذا لم يكن لإخمادها وإما أن أبواب الجحيم على وشك أن تنفتح على مصاريعها، لتقذف بحممها في كل صوب واتجاه.
ربما كان التزامن بينها صدفة. غير أنه ليس من غير مدلولات. فهذه الأوضاع صارت محكومة إلى حدّ بعيد بقانون العنف وحسابات الإلغاء. بات الحوار لغة غريبة عليها. كما صارت عصيّة على التفاهم والوساطات، ناهيك عن الحلول الوسط. جروحها الداخلية تعمّقت. تمادت كثيراً في نسف الجسور بين قواها. ساهم في ذلك وعزّزه التداخل بين هذه الساحات وبين روافدها وامتداداتها الإقليمية والدولية.
كل ذلك أدّى إلى استفحال تعقيداتها، بحيث بدأت تفرز تطورات غير اعتيادية. في العراق، تبدّى ذلك في انفجار حرب المساجد والرموز الدينية؛ من سمراء ـ مرقد الإمامين العسكريين ـ إلى بغداد إلى اسكندرية، جنوب العاصمة. الأمر الذي جاء بمثابة صبّ الزيت على نار تكاد تأكل الأخضر واليابس من دون زيت؛ ووضع الساحة العراقية بالتالي أمام إشكالات واحتمالات مفزعة.
كذلك هو الحال في غزّة، حيث دخل الاقتتال بين «فتح» و«حماس» طور التصفية والاقتلاع؛ مع كل ما رافق هذا التحول من عمليات غير معهودة بفظاعاتها؛ ورداً على مايجري أمر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مساء أمس حل الحكومة وأعلن حالة الطوارئ في غزة والضفة، ومن ثم فإن كافة السيناريوهات تؤسس لحرب أهلية مديدة؛ صار اجتنابها أقرب إلى المعجزة.
وكأن هذه الانعطافات المريعة، في العراق وغزة، لم تكن كافية؛ حتى حمل ذلك اليوم الأسود قبل غياب شمسه إلى لبنان هزّة جديدة؛ تمثلت في عودة مسلسل الاغتيالات السياسية؛ ليحصد النائب وليد عيدو وابنه مع ثمانية آخرين. ويأتي ذلك في الوقت الذي لا يزال فيه جرح نهر البارد يواصل نزفه ويراكم خسائره. حصيلة يوم واحد أدخلت الأوضاع إلى غرفة العناية الفائقة.
التحدي الآن يتمثل في وقف التداعي والتحكم بالتداعيات. وفي ثلاث ساحات سوياً. اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى الوزراء، غداً السبت، أمامه جدول أعمال من العيار غير المألوف بكثافته وبطابع العجلة الذي يتميز به، ويزيد من ثقل المسؤولية أنه لا بديل عن تفكيك الصواعق. أو علي الأقل تعطيل مواصلة تفجيرها. والوقت هو الخصم الأكبر.
إن الرافعة العربية وحدها، لا تقوى على انتشال كل هذه الانهيارات وتداعياتها. الأطراف المحلية، عليها القسط الأكبر من عملية الإنقاذ، وعدم تجاوبها يعني إفشال التعريب وبالتالي تعزيز خيار التدويل؛ الذي بدأ يطل برأسه بالنسبة إلى غزة، كما في لبنان. فهذا الاحتمال يزحف باتجاه هاتين الساحتين؛ إذا بقيت الأمور على حالها الراهنة؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك من مضاعفات سلبية؛ على المديين القريب والبعيد.
ما لا جدال فيه أن مثلث الحرائق، واستطراداً المنطقة، دخل منعطفاً جديداً. خطر الحروب الانتحارية يخيم على الأجواء. الرجوع عن حافة الهاوية لا يزال فرصة متوفرة. ولو ضاقت مساحتها. وعلى المعنيين الاستعجال قبل فوات اللحظة.
