يتحدث الكثيرون عن طي صفحة جديدة من تاريخ السياسة الفرنسية مع انتخاب نيقولا ساركوزي رئيسا للجمهورية الفرنسية 16 مايو 2007، ويؤكد البعض على أن انتصار تيار ساركوزي «التجمع من أجل حركة شعبية» كما يبدو في الدورة الأولى من الانتخابات التشريعية يمثل سابقة غير معهودة في الجمهورية الخامسة، بل أن البعض يشير إلى أن الجنوح إلى اليمين بهذا الشكل من قبل زعيم حزب حاكم لم يحصل منذ الحرب العالمية الثانية.
وكانت النتيجة التي حصدها تيار ساركوزي قد زرعت مخاوف لدى منافسيه أمثال فرنسوا بايرو الذي حذر من إمكانية إحداث «خلل في المؤسسات» و«تهديد الديمقراطية» بتركيز سلطات مفرطة بين يدي الرئيس، وسغولين رويال زعيمة الحزب الاشتراكي التي دعت إلى توحيد الصفوف والتصويت الكثيف لليسار في سبيل الحؤول دون ذلك.
ويوصف ساركوزي بأنه من الرؤساء الأكثر توجها لليمين على مدى خمسين عاما ويشبهه البعض بمارغريت تاتشر ورونالد ريغان ويؤكدون بأنه سيدخل فرنسا في منعطف جديد، بل ان هناك من قال بأن خطاباته اتبعت نهج ريغان في تكتيكاته الانتخابية بإثارة مواضيع مثل التراجع الوطني والانهيار الأخلاقي وأهمية وقف الانحدار وإعادة عزة المواطن بنفسه وقوة دولته.
والواضح أن ساركوزي أظهر مهارة في قيادة حملته الانتخابية باعتماده أكروباتية هي مزيج من العزم والسلطوية والقومية والشعبوية واللعب على إحباط المجتمع الفرنسي ومخاوفه، وقد شكل على ما يبدو مصدر ارتياح للفرنسيين بأنه أخيرا قد تم اتخاذ قرار المضي في مسار جديد مستشعرا ميل الفرنسيين للتغيير والقطيعة مع الماضي مقابل منافسيه الذين بدوا محافظين مقارنة به، على الرغم من أن المفاهيم التي روج لها نصوصا تقليدية تذكرنا بكتب التربية الوطنية للمنهاج الرسمي.
ويقال انه استفاد بشكل كبير في دعايته الانتخابية من النموذج الأميركي الذي يركز على إعادة رسم شخصية الرئيس. وقد تكون وسائل الإعلام دعمته بتصوير جانب من حياته الشخصية التي لم ترتق طبعا إلى مستوى الروايات الفرنسية الرومانسية وأن جرى وصفها «بمسلسل تلفزيوني شعبي»، فإعطاء نكهة خاصة لشخصية الرئيس أمر لا بد منه في ظل نظام انتخابات رئاسية مباشرة من الشعب.
وطبعا ما أثاره ساركوزي في حملته الانتخابية بدأ شديد الوضوح، وتبرز النقطة الأساسية في أولوية برامجه تخفيض الضرائب وتعديل قوانين العمل. ويذكر أن اليمين الفرنسي بات يشعر بأن فرنسا ما زالت مقيدة بقوانين اجتماعية وأنظمة عمل معيقة كان قد جرى التخلي عنها في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، ويشعر بأنه قد حانت فرصته لترسيخ دوره في صياغة السياسة الاقتصادية.
وفي هذا الإطار تثير الصحف شكوكا حول مدى تمسك ساركوزي فعلا بنهج الليبرالية والانفتاح على الخارج وإلغاء القيود الجمركية، لكن في المقابل تتفق جميعها بأن انتصاره سوف يعطيه المزيد من القوة لتنفيذ أجندة تخفيض الضرائب وقوانين العمل وتصف سياسته بأنها استمرار لنهج شيراك وليس قطيعة بل استعجال منهجي للجنوح نحو اليمين.
لكنه استطاع جذب المواطن الفرنسي الخائف من تحولات النظام العالمي والعولمة وتدفق الاستثمارات الهائل والتعهيد وتوسيع أوروبا وارتفاع البطالة وانخفاض القوة الشرائية والهاجس الأمني ومشكلة المهاجرين. فمعدلات النمو متواضعة ونسبة البطالة مرتفعة 6, 9% في يناير 2006، وفرنسا أكثر بلدان العالم استثمارا في الخارج في عام 2005 بخروج 116 مليار دولار، في حين يملك مستثمرون أجانب 40% من رساميل الشركات الفرنسية.
كان رفض الدستور الأوروبي التعبير الأول عن قلق الفرنسيين من التحولات، وقد دعا ساركوزي الاتحاد الأوروبي إلى مراعاة مخاوفهم وحمايتهم من المنافسة والإغراق، كما انه قام بتشكيل وزارة الهجرة والهوية في إطار تأكيد أولوية المواطن الفرنسي على المهاجر وميز بين الذي يعمل والذي لا يعمل.
وسعى بذلك إلى تأكيد صورة أن فرنسا قد تغيرت. وكانت فرنسا استشعرت الحاجة إلى تغيير الصورة النمطية حول كسل العامل الفرنسي التي استغلها البريطانيون والأميركيون منذ مدة. ففرنسا جاذبة للاستثمارات وقد بلغ صافي تدفق الاستثمارات إليها الأعلى على الإطلاق على مستوى العالم في عام 2005.
والملفت ما قالته وكالة الاستثمارات الدولية الفرنسية في 2004: «إن مشاكل التقاعد وأنظمة العمل قائمة في البلدان الأخرى، لكن هذه المشاكل لا تمنع هذه الدول من الشعور بأنها قوية ، في حين الفرنسيون أقوياء ولكنهم لا يدركون ذلك».
والتخوف الأكبر بالنسبة لنا في الدول العربية هي أن يكون ساركوزي قد حل عقدة اليمين الفرنسي التاريخية ليس فقط اقتصاديا إنما أيضاً على صعيد السياسة الخارجية، تماما كما فعلت خطابات بوش بتحرير أميركا من عقدة فيتنام، خصوصا وأنه رفض الاعتذار عن ماضي فرنسا وأكد تمجيده لتاريخها ودعا إلى «أوروبا التي تحمي» وعين كوشنير وزيرا للخارجية وهو الذي سبق أن أفاد «نحن نبني الحق الأخلاقي للتدخل في دول أخرى».