في أية فئة يمكن تصنيف معارض سوري يستعدي إسرائيل على سوريا؟
والإجابة: في الفئة التي تضم أحمد الجلبي وأمثاله من الشخصيات العراقية التي زينت للولايات المتحدة غزو الوطن العراقي وقبضت الثمن أضعافاً مضاعفة، إنها فئة المرتزقة.
السوري فريد الغادري يقيم في الولايات المتحدة كمعارض للنظام الحاكم في دمشق، ولم يكتف الغادري بزيارة إلى إسرائيل، ولم يكتف بمخاطبة الكنيست الإسرائيلي، بل دعا القيادة الإسرائيلية علنا إلى الامتناع عن إعادة أرض الجولان المحتلة إلى سوريا.
على سبيل رد الفعل وجد النواب العرب في الكنيست النعوت الملائمة لوصف هذه الشخصية. فهو «حثالة اجتماعية» و «خائن» و «حقير»، ولكن النعت الأبلغ والأدق هو أن الغادري من المرتزقة. للأسف فإن السياسيين المرتزقة في العالم العربي ظاهرة متنامية تتنوع مابين أفراد وجماعات وأنظمة حاكمة. وعلى هذا النحو فإنها تعكس حالة عامة من الانحطاط الحضاري وانحسار الشعور بالكرامة الذاتية وفقدان الحس الوطني والقومي.
المرتزقة السياسيون ليس لدى أي منهم أجندة وطنية سامية. فهم شخصيات ذات هموم ذاتية صغيرة. ومن أجل تحقيق طموحات ذاتية فإنهم يعرضون خدماتهم على حكومات لخدمة أهدافها. وهي في الأغلب أهداف موجهة ضد أوطان المرتزقة كأفراد أو جماعات.
لنفترض كمثال أن معارضة الغادري للنظام السوري ناشئة عن مبدأ وطني أصيل كأن يكون ذا عقيدة ديمقراطية ليبرالية. في هذه الحالة قد نتفهم دوافعه. ولكن كيف نتفهم تواطؤ مواطن عربي سوري مع القوة الاحتلالية الإسرائيلية ودعوتها إلى الإبقاء على احتلالها أرضاً سورية؟
الغادري يمارس خيانته في علانية وجرأة، لأنه يعيش في المنفى الاختياري في الولايات المتحدة على بعد آلاف الأميال من وطنه مستمتعاً بحماية أميركية. لكن هناك أيضاً أمثاله ممن يعيشون داخل الأوطان: هؤلاء يؤدون المهام المكلفين بها في الخفاء والظلام.
وهل مثلاً تنفذ طائرات إسرائيلية من دون طيار عمليات اغتيال تستهدف كوادر من فصائل المقاومة الفلسطينية، إلا وفقاً لمعلومات استخباراتية في غاية الدقة يتزود بها جهاز «شين بيت» ـ الوكالة الأمنية الإسرائيلية الداخلية ـ من أفراد فلسطينيين اختاروا لأنفسهم مسار الخيانة؟ بل إن إسرائيل ذهبت أبعد من ذلك فأنشأت تكويناً قتالياً فلسطينياً اشترت له قيادات لمحاربة قوات فصائل المقاومة.
غير أن الأدهى والأمّر والأشد خطراً يتمثل في أجهزة أمنية داخلية تعمل لحساب قوى خارجية دولية تتولى مهمة قمع تنظيمات المعارضة في الداخل، ووجه الخطورة هنا هو أن تأثير هذه الأجهزة الداخلية ـ بما لديها من إمكانات وموارد غير محدودة ـ ينتشر بين كل فئات المجتمع وقطاعاته بحيث يمارس نصف المجتمع التجسس على النصف الآخر.
كل هذه المؤشرات تلتقي عند ظاهرة واحدة هي الاضمحلال الحضاري بأوسع وأشمل معانيه ـ للأسف الشديد.