منذ 63 عاماً هبطنا على شواطئ نورماندي. وكما هو الحال في كل ذكرى لتاريخ السادس من يونيو 1944، فإنه يُكتب الكثير لتكريم وتذكر بطولات القوات الأنجلو ـ أميركية التي أبدت شجاعة وأبلت بلاء بطوليا على أرض المعركة، كل هذا صحيح. ولكن في الوقت الذي نفكر فيه في إنجازات الجيل الأعظم الذي ساعد في قهر ألمانيا النازية بعد ذلك بعام، ينبغي لنا أن نتذكر أن الحملة بكاملها، كما قال الجنرال ويلينغتون عن معركة ووترلو، كانت عرضة للمكسب والخسارة في أي وقت.

لقد ارتكب آباؤنا القدامى أخطاءً عديدة. فقد هاجموا مواقع مدفعية لم يكن لها أي وجود. وأسقطت طائرات جنود مظلات بعيدا عن الأماكن المستهدفة، لقد ذهبنا إلى أوروبا ومعنا أسلحة تقل بكثير عن تلك التي كانت مع الألمان، ولقد تم إعفاء أذكى قائد عسكري أميركي في تاريخنا وهو جورج إس باتون من منصبه بسبب صفعه جنديا مريضا في صقلية. وكان الجنرالان عمر إن برادلي وبرنارد مونتغمري يفتقدان لعبقرية باتون وجرأته، ودفع عشرات الألوف من جنود الحلفاء ثمن غياب باتون.

وفي النهاية استطعنا أن نتخلص من الفوضى التي كنا فيها وذلك بعد استخدام قاذفات ثقيلة فتحنا بها ثغرات داخل الخطوط الألمانية. ولكن حتى تلك العملية كانت مليئة بالأخطاء الجسيمة، ففي مناسبتين متتاليتين، قمنا بقصف قواتنا بدلا من قوات العدو وتسبب ذلك في مقتل أو إصابة أكثر من 1000 جندي أميركي، كان من بينهم أعلى ضابط يُقتل على الأراضي الأوروبية وهو ليفتنانت جنرال ليسلي ماكنير.

وقد أُخفيت طبيعة موته عن الصحافة، كما أخفيت الكثير من الأخطاء وأخبار موت الجنود سواء أثناء فترة الإعداد لمعركة نورماندي أو بعدها، وبعد انتهاء المعركة، تبين أن المعسكر الفائز قد تكبد خسائر بشرية وصلت إلى ربع مليون ما بين قتيل ومصاب ومفقود، من بينهم 30 ألف قتيل أميركي.

وهو ما يعادل عشرة أضعاف أعداد القتلى من العسكريين بعد مرور أربع سنوات من القتال في العراق، ولم تكن الأخبار التي كانت تأتي من ساحات القتال الأخرى أثناء معركة نورماندي أفضل حالا. فبسبب أخطاء فادحة ارتكبها جنرالات أميركيون في إيطاليا، نجا الجيش الألماني المنسحب من الكمين الذي كانت قد أعدته قوات الحلفاء له وتسبب ذلك في أنه استطاع قتل ألوف من جنود الحلفاء في إيطاليا خلال العام التالي بعد ذلك.

وانتشرت تقارير مزعجة حول تقدم ووحشية الجيش الأحمر بقيادة ستالين على الجبهة الشرقية. وبدأ القلق يتملك البعض في الحكومة الأميركية من أن الحرب التي بدأت من أجل منح الحرية لأوروبا الشرقية ربما تنتهي إلى استعبادهم في صورة أن يحل ستالين محل هتلر، وحدث أن فقدت أميركا ألوف الجنود أثناء معركة مارياناس في منطقة الباسيفيك.

فصحيح أننا كنا نكسب معارك برمائية صعبة وكئيبة ولكن لم يكن يبدو أننا كنا نتعلم منها ما يكفي فبدلا من أن نستفيد، وقعت مجازر أسوأ بكثير في أماكن مثل أوكيناوا. لقد كان الجندي الأميركي هو الذي يسطر بدمائه قصص البطولة في تلك الأماكن وهو الذي عانى بشدة بسبب فشل الأجهزة الاستخبارية وضعف قيادة الحرب.

* ما الذي يمكن الاستفادة منه في ذكرى معركة نورماندي؟

ـ بكل المقاييس التاريخية، ارتكب أجدادنا أخطاءً استراتيجية كثيرة وأخرى تكتيكية مثل تلك التي ارتكبناها في العراق وأفغانستان. ولكنهم فقدوا جنودا فاقوا في عددهم ما فقدناه نحن بعشرات الألوف نتيجة تلك الأخطاء، بالطبع كانت الحرب العالمية الثانية بمثابة حرب شاملة خضناها من أجل بقائنا لدرجة أن الكثيرين يعتقدون أن الحرب ضد الإرهاب التي بدأت في الحادي عشر من سبتمبر لم يكن لها أي داع بالمقارنة بتلك الحرب.

بل ان الكثيرين لديهم شك في الأساس من أن مقاتلي القاعدة يمثلون أي تهديد على الحضارة كما كان الألمان يمثلون خطرا في أوروبا. غير أن معركة نورماندي تذكرنا بأن الحرب في طبيعتها قاسية ومليئة بالأخطاء الرهيبة التي تنطوي على غباء والنصر فيها يذهب لمن يرتكب أقل الأخطاء. لقد كان أجدادنا يعلمون ذلك.

ومن ثم فإنهم ضغطوا بكل قوة وهم لديهم قناعة بأنه لا يتعين عليهم أن يكونوا منزهين عن الخطأ وإنما ينبغي لهم أن يكونوا جيدين فحسب. الدرس الذي يجب تعلمه من هذه الذكرى هو كيفية التغلب على الغباء العرضي وعدم التراجع أبدا في وجه عدو بالغ الوحشية. نحن بحاجة إلى أن نتذكر هذا للأبد.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»