إبان الحرب العالمية الأولى لم يستطع الأتراك جذب العرب للتطوع في الحرب ضد الأوروبيين إلا باستخدام الدين وتصوير الحرب وكأنها حرب بين ديانتين مع أنهم كانوا متحالفين مع الألمان. ويروى أن الضباط الألمان كانوا يترددون على المشايخ في المدن ويؤلبونهم ضد المسيحيين العرب ويطلبون منهم تحريض الناس على قتلهم، ونشروا بين الناس إشاعة مفادها أن القيصر الألماني غليوم اعتنق الإسلام.
وابتدع الألمان والأتراك قصة العلم النبوي الذي سيجوب المدن من اسطنبول حتى مكة في موكب مهيب داعياً إلى الجهاد، مع أن العلم كان من قماش حديث ولم يكن أثرياً حتى ينسب إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. وإبان الحملة الفرنسية على مصر روج الفرنسيون إشاعة مفادها أن نابليون اعتنق الإسلام وأنه سيقيم دولة الخلافة في مصر.
الخ، وإبان الاحتلال البريطاني لفلسطين حاول البريطانيون استمالة المسيحيين الفلسطينيين إليهم مدعين أن المسيحيين لا ينتمون إلى العرب المسلمين، لكن الثوار من المسيحيين رفضوا هذا الإدعاء وأكدوا أثناء التحقيق معهم انهم كانوا مسيحيين في الديانة إلا أنهم مسلمون ثقافياً.
اللعب على الوتر الديني أو المذهبي هو بدعة استعمارية قديمة يجددها المستعمرون ويوظفوها لصالحهم في كل زمن وفي كل بلد، وحالياً نشهد اللعب على الوتر المذهبي أو الطائفي سواء في لبنان أو في العراق، ولاحقاً في دول عربية أخرى، وكان الانجليز سباقين في ذلك حيث انهم عندما خسروا المعركة في أفغانستان في عشرينات القرن الماضي أمام ملك أفغانستان الذي حاول تحديث بلاده وعصرنتها وزار ايطاليا
ومصر لنقل الحداثة إليها لجأ الانجليز الى بث صورة لزوجته وهي سافرة ووزعوا الصور عبر الطائرات وألقوها على قبائل البشتون مدعين أن ملكهم خرج عن الدين، ويشاء القدر أن يستخدم الأميركيون الخدعة نفسها ضد طالبان ولكن بشكل معاكس أي أن طالبان تقمع المرأة وحريتها.. الخ. وتفرض عليها الحجاب وتفرض اللحية على الرجل.. الخ.
وأنه بمجرد سقوط طالبان سيحلق الرجال لحاهم وستسفر النساء عن وجوههن وكأن الحرب برعاية شركة جيليت للحلاقة، ودار للأزياء النسائية. فالمعادلة الاستعمارية ما زالت هي لا تتغير أي العزف على الوتر الطائفي والمذهبي والديني والعرقي، والمفجع حقاً انهم ينجحون في ذلك لأن المجتمعات العربية والاسلامية ما زالت غير محصنة ضد نقاط الضعف الداخلية التي يستخدمها الاستعمار.
كلما أراد لتقويض الجبهة الداخلية ولعل الحالة العراقية خير مثال على ذلك حيث استعصى العراق على الاحتلال لكن عندما تحرك الطائفيون من كلا الاتجاهين طاب للاحتلال المقام لأن الحرب الأهلية الطائفية ترفع أعباء عن الاحتلال وتوجه الجهود نحو القتل المتبادل.
إن الحالة العراقية وهي الانموذج البشع الماثل للعيان مهيأة لأن تجتاز حدود العراق الى دول الجوار، إلا ان أحداً لم يستخلص العبر منها حتى الآن وقد تكون بعض المؤتمرات والندوات التي عقدت للتقريب بين المذاهب محاولة لردم الهوة بين المذهبين السني والشيعي لكنها لا تكفي، لأن كل دولة عربية بحاجة الى نظرة متعمقة في داخلها لتدارك احتمالات الفتنة المذهبية أو الدينية أو العرقية فالألغام المذهبية والعرقية ما زالت موجودة ويمكن لأي قوة شريرة أن تفجرها وفقاً لمصالحها.
أليس بعد هذا الكفر من كفر. كم من الاعلام غير النبوية ترفع الآن لتبرير اهداف سياسية؟ وهل أقدمت أنظمة عربية مهددة مجتمعاتها بالالغام المذهبية والعرقية على وضع استراتيجية شاملة لإبطال مفعول هذه الالغام الموقوتة باطلاق حوارات داخلية صريحة لنزع فتيل أية ازمات حالية او مستقبلية؟ لأن الاعتراف بوجود مشكلة هو نصف الحل أما انكارها فيعني تركها في يد الآخرين يثيرونها متى ارادوا.
ولعل المتابع لعشرات الدراسات والخطط الاجنبية حول العالم العربي يخرج بنتيجة واحدة وهي ان سلاح فرق تسد بالاستناد الى الفتنة المذهبية او العرقية هو أمضى سلاح في يد أعداء هذه الامة.. ليس منذ الآن بل منذ عقود وربما قرون. فالحملات الصليبية تنبهت الى نقطة الضعف هذه منذ الف سنة ولعل المشاورات التي تمت بين البابا في روما وأتباع الاسماعيلية من جماعة الحشاشين خير دليل على ذلك.. فهل أتعظ بعضنا مما حل ببعضنا؟