في عام 1000 ميلادية، حظي غرب أوروبا والصين بمستويات متوسط الدخل الفردي ذاتها تقريباً. غير أن دوام الحال من المحال، ولأسباب لن يقدر لنا أبداً معرفتها، فإن الصين بعدئذ أصابها الركود. كان المجتمع الهولندي في عصر الاستكشاف هو الذي انتهى في القمة بالنسبة لنصيب الفرد من إجمالي الناتج القومي، وبعد ذلك في القرن السابع عشر، فإن إسحق نيوتن، مستنداً إلى انجازات كوبرنيكوس وكيبلرو غاليليو، بدأ عهدنا الحالي من التقدم العلمي المتواصل.

وعلى امتداد قرنين، وصولاً حتى الأعوام الأخيرة من عهد الإمبراطورة فيكتوريا، كانت بريطانيا هي التي تحتل مرتبة الصدارة. وفي حوالي عام 1900 تقريباً، تولت ابنة بريطانيا المتمردة، أميركا، بمواردها الوفيرة القيادة الاقتصادية العالمية. غير أن المؤرخين الخبراء في عام 2037، أي بعد 30 عاماً من الآن، ربما سيردون تراجع أميركا مقارنةً بمليارات الصينيين إلى أمثال الرئيس جورج بوش، ونائبه ديك تشيني وأتباعهما.

ويُظهر التاريخ أن المؤرخين لا يفهمون الأمور بطريقة صحيحة تماماً. حتى إذا كان الناخبون قد أسندوا السلطة إلى أكثر الملوك الحكماء مثالية بين عامي 2000 و2008، فإنه بحلول نصف القرن سيكون السكان المقيمون في حوض المحيط الهادئ، والذين يعادلون ثلث إجمالي سكان العالم ـ سيكونون قد تجاوزوا أميركا الشمالية إضافة إلى أوروبا في إجمالي الإنتاج الاقتصادي الحقيقي.

لماذا وكيف؟ سيصبح الأمر مشابهاً جداً لقصة كيف ولماذا استطاعت الولايات المتحدة التعلم واستغلال التقنية الأفضل المعروفة لدى الألمان والفرنسيين والبريطانيين. وكان الصينيون الذي يتلقون أجوراً منخفضة، المتحررون من النظرية الماوية القائلة برفض التخصص المعرفي الدقيق بالمثل، قادرين على تقليد التقنيات الغربية.

وبصورة مماثلة سيتجاوز مليار عامل من ذوي الأجور المنخفضة الذين يمكن تعليمهم في الهند والمتحررين من اشتراكية نهرو الفابية، بصورة متزايدة في منافسة عمال أميركا الشمالية وأوروبا الغربية الذين يتلقون أجوراً عالية. سيسيء القراء تفسير هذا النص إذا اعتقدوا أنه يتنبأ بقصة كئيبة للمناطق الغنية الحالية. إن الاقتصاد، خلافاً للجغرافيا السياسية، ليس علماً قائماً على الأرقام الدقيقة.

عندما هزم المستشار النمساوي بسمارك لويس نابليون إمبراطور فرنسا عام 1870، كانت تلك بالفعل لعبة قوى سياسية قائمة على التقديرات الدقيقة، حيث خسر طرف ما كسبه الطرف الآخر. وبالمقابل، عندما تفوقت اليابان على أميركا في متوسط الدخل الفردي الحقيقي في الفترة من عام 1980 وحتى عام 1990، فإن ذلك لم يتضمن أي تراجع لمتوسط الدخل الفردي الحقيقي الأميركي.

وفي حقيقة الأمر ان إجمالي الناتج المحلي الأميركي في عصر ما بعد كينز، استمر في الارتفاع، وقد تحقق ذلك بمعدل أسرع من المراحل الماضية على حرية العمل في الرأسمالية التاريخية. دعوني الآن أضيف ما يتوجب إضافته في أي مقال يتناول موضوع «العولمة وعناصر السخط المرتبطة به».

1) إن آليات السوق الضرورية والكافية لدفع الإنتاج الإجمالي، للأسف، ستزيد التباينات في الوقت نفسه وفي كل الأحوال بين الرابحين والخاسرين.

استطراد: قام سيمون كوزينتس، وهو مؤرخ اقتصاد كمي عظيم، بتخمينات خاطئة بشأن المستقبل. فقد اعتقد البروفيسور كوزينتس أن النمو الأولي سيفاقم وضعية المساواة، واعتقد أن الأسواق المتنافسة قد تستعيد في وقت لاحق مساواة أكبر.

وللأسف فقد يكون الفائزون بجائزة نوبل مخطئين. إن رأسمالية السوق القائمة على حرية العمل لم تؤد أبداً حتى الآن إلى التردي بدرجات الافتقار إلى المساواة بين الأثرياء الأوفر حظاً والطبقات الوسطى التي لم تعد تحظى بالأمان!

2) إن ثمار العلم الوافرة، التي تجلب لنا متوسط حياة أفضل، ونوعية حياة أرقى، تجعل بيئتنا أسوأ كذلك، وتزيد من ضعفنا أمام دمار الحرب وحقد الإرهابيين.

3) إن ما يجعل الاقتصاد علماً غير كئيب هو الاعتبارات القائلة إن احتمالات العلم نفسه يمكنها أن تمكننا من الحد من تلوث الهواء والمياه، تصحح (إلى حد ما) درجة الافتقار المتفاقمة إلى المساواة.

4) هل سيحقق نظامنا السياسي الديمقراطي بصورة أوتوماتيكية هذه التعديلات الجيدة ضد الشرور البيئية والدخل المزري، والتفاوت في الثروة؟ لا. قطعاً لا. فهذه الأمور التي تثير الإعجاب تحدث فقط في حال وافقت غالبية الناخبين، بدافع من تأثيرات إيثار الآخرين الخالصة، على فرض ضرائب على بعض غنائم الرابحين واستخدام بعض هذه الضرائب لتقليل بعض الخسائر التي سيوزعها السوق على الخاسرين.

دعوني أصبح واقعياً الآن. خلال الكساد الكبير وفي ظل قيادة النهج الجديد البليغ الذي جاء به فرانكلين روزفلت، كان لدينا نحن الناخبين شعور بأننا جميعاً في خطر محدق. هناك ولولا رحمة القدر، لكنت سأصبح عاطلاً عن العمل ومشرداً، لذلك، وفي غالبيتنا العظمى، فإننا نحن الناخبين اخترنا من عام 1932 وحتى عام 1980 مجتمعاً مختلطاً ولم نختر حضارة متسيبة تعتمد على حرية العمل والسوق.

بهذه الطريقة لا يزال الناخبون في أماكن ناجحة مثل فنلندا والدنمارك يفكرون. في هذه الأماكن، فإن خبراء الاقتصاد الميالين إلى اختراق القواعد مثل ميلتون فريدمان وفريدريتش حايك لا نكاد نسمع عنهم شيئاً. غير أنه عندما تجرى استطلاعات للرأي حول «السعادة» في أرجاء العالم، فإنه في مثل تلك الأماكن ذات الاقتصاد المختلط يقول معظم الناس انهم «الأقل تعاسة» و«الأقل قلقاً».

إن الواقعية والضمير يلزماني بتسجيل تحذير مهم أخير.

ليست هناك حكومة ديمقراطية في أي مكان بمقدورها أن تخمن بنجاح حول آلية السوق عن طريق برامج نقل متطرف من الأغنياء إلى الفقراء أملاً في تسوية الفوارق فيما بين الأسر في الثروة والدخل.

وفي أفضل الحالات، فإن الوسيلة الذهبية للوصول إلى الوضع الأفضل الممكن لا بد أن تستخدم عمليات إعادة توزيع محدودة للدخل تفرضها الدولة.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» - خاص لـ «البيان»