على مستوى التفكير الذهني المجرد، والتطبيق العملي الملموس، على حد سواء، نجد دوما فارقا جوهريا بين نقد للذات يرمي إلى تقويمها، بما يصوب الخطأ، ويشحذ الهمم، ويملأ الفراغ، وبين احتقار لها، يضعف قوتها، ويهز تماسكها، ويوسع هالة الفراغ لديها، فتصبح مهيأة لمن يسده، من خارجها.

بين النقد البناء، والاحتقار الهدام، الذي يتجاوز حد «الجلد» بكثير، يدور الجدل الفكري والسياسي العربي الراهن، بين النخب المثقفة وصانعي القرار، تحت لافتات أخرى أشهرها «بيدي لا بيد عمرو»، في سياق رد عربي على مشروع «الشرق أوسط الكبير»، يحاول أن يفارق العشوائية إلى التصور المنظم.

ويجمع بين الزخم الشعبي والموقف الرسمي، الأمر الذي تجسد بجلاء في مؤتمرات الإصلاح والديمقراطية التي حفلت بها العديد من الدول العربية على مدار السنوات الأخيرة، وشارك فيه لفيف من مثقفين وجامعيين ورجال أعمال ومعتلي منابر للمجتمع المدني العربي.

أو بعض الندوات وورش العمل، والتي كان آخرها «الملتقى الثالث للديمقراطية والإصلاح في الوطن العربي»، الذي استضافته الدوحة وانتهى بميلاد مؤسسة الديمقراطية العربية ومقرها قطر، ودعوة الحكومات العربية إلى تعميق الديمقراطية والمشاركة الشعبية في الشأن العام وفتح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني.

ومن يقولون «بيدي»، هم المنحازون إلى نقد الذات، أو التصحيح الداخلي للاختلالات الهيكلية التي تصم الحالة العربية، وهم الساعون لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السياسة بنشر الديمقراطية، ومن الاقتصاد بتحقيق التنمية، ومن الاجتماع بإنجاز توافق بين مختلف الشرائح، طبقيا وطائفيا ولغويا وثقافيا، بما يقي من شرور «الفتن».

ومن الفكر باعتماد العقلانية والمنهجية، ومن التعليم، بالانحياز إلى الفهم لا الحفظ، وترسيب القيم التي تهيئ للحوار وتحض على التسامح، وتؤسس للشخصية المنجزة الفاعلة.وبعض من ينشدون التغيير «بيد عمرو»، يبنون جزءا ذا بال من وجهة نظرهم على احتقار الذات، فنحن، في نظرهم، شعوب عاجزة عن تغيير الأوضاع القائمة، لخلل بنيوي في قدراتنا، يمتد من الثقافي والتاريخي إلى السياسي، أو لتجبر وتوحش في قدرة القائمين على الظروف المراد تغييرها أو التمرد عليها.

ويقيس هؤلاء دوما على الحالة العراقية، إذ إن الشعب العراقي لم يكن بوسعه أن يزيح صدام حسين عن سدة السلطة، وهو المدجج بالجيش والأمن والعسس والإعلام وحزب البعث والموارد الاقتصادية. وبدلا من أن يبحث هؤلاء عن السير في الطريق المغاير، أو التفكير المختلف، ببناء إجراءات يتم بمقتضاها إبرام عقد اجتماعي جديد بين الشعوب العربية وحكامها، فإنهم يساهمون، بوعي أو دونه، في تهيئة العرب لتقبل «وصاية» الآخرين، أو على الأقل عدم رفض دس الخارج أنفه في الداخل.

ويبدو هؤلاء في نظر السلطة ومبايعيها «سماسرة» لتسويق سياسات غربية في العالم العربي، يختلف ظاهرها عن باطنها، وأولى أدواتهم في هذه العملية هي التهيئة النفسية لشعوبنا، كي تتقبل التدخل الخارجي، ما يمنعها أو يعطل طاقاتها، التي يمكن أن تستغل الظرف الراهن، في مواصلة التضاغط الداخلي من أجل إصلاح حقيقي، إيمانا بأن التحديث عملية تعتمد على تفاعل القدرات الذاتية بمختلف ألوانها.

وإذا طالعنا مشروع «الشرق الأوسط الكبير» سنجد البعد النفسي هذا طافحا في ثناياه، فهو ينطلق من رسم ملامح قاتمة للواقع العربي الراهن، اقتصاديا وسياسيا ومعرفيا واجتماعيا، يقود تتبع تفاصيلها إلى شعور جارف بالدونية، واعتقاد جازم في ضرورة تبدل الأحوال.

فإذا رافق هذا الشعور وذلك الاعتقاد، احتقار للذات، تكون الطريق معبدة، إلى حد كبير، أمام تدخل خارجي سافر في شؤون العرب، وهو التدخل الذي ستتعامل معه الأغلبية الكاسحة على أنه استعمار مباشر، أو حملة صليبية جديدة، ومن ثم ستقاومه، ليدخل العالم العربي في فوضى، أو ينجرف إلى ما يشبهها، على غرار ما يحدث في العراق حاليا.

إن هذا لا يعني أن الوضع العربي مناقض تماما للصورة التي رسمها المشروع الأميركي، فقد تكون هذه الصورة، قد انطوت على قدر من المبالغة، واعتمدت على مصادر غير دقيقة في توصيف الحالة العربية، لكن الوقوف عند حد تفنيد ما جاء في هذا المشروع، وكأننا في محفل لمناقشة أطروحة علمية، والتراضي أو التصالح مع الوضع القائم.

والالتفاف على تدبير إصلاحات جذرية أو الاستجابة لمطلبها الذي يرتفع صوته يوما إثر يوم، لن يساعد أبدا في التصدي للمشروع الأميركي، بل العكس تماما، فتحصين الذات، الذي يبدأ بتقدير الحكام للمحكومين وتغيير المحكومين للحكام سلما، هو المقاومة الحقيقية.

هنا يصبح التراخي في تغيير الواقع اعتمادا على القدرات الداخلية مرادفا لاحتقار الذات وقابليتها للاستغزاء أو الغزو، إذ إن كليهما يقود بالتتابع إلى النتيجة نفسها، فإن لم تغير نفسك سيغيرك الآخرون أو على الأقل يسعون إلى ذلك، إن كان في هذا ما يحقق مصالحهم الآنية أو الاستراتيجية.

بذلك يصبح التعامل الأنجع مع المشروع الأميركي، أو التصرف الذي يقود إلى جني مغانمه وتجنب مغارمه، ليس هو الاكتفاء برفض ما لدى الغير، حتى لو كان في بعض جوانبه يحمل صوابا بينا، بل بالقيام بعملية «نقد غائر للذات»، ليس من خلال وثائق وبيانات بليغة محتشدة بالمناشدات.

على غرار «وثيقة الإسكندرية للإصلاح العربي» التي أصدرها مثقفون عرب في مارس من عام 2004، بل التصرف في الواقع، وبما لا يقتصر على النخب الفكرية والسياسية، وتحت إيمان راسخ بأن وقت الإصلاح قد حان، ولا فكاك منه، أو التفاف عليه.

هنا تطل الشعوب العربية، بعد طول احتجاب، لتقل كلمتها، مباشرة، أو عبر وسائط سياسية واجتماعية، سواء كانت مؤسسات مدنية أو رموز اجتماعية لديها رصيد جماهيري، بعد أن برهنت هذه الشعوب على أنها قادرة على أن تشكل رقما في معادلة النظام الدولي من خلال المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، فشلت الأنظمة الرسمية الحالية في أن تشكله.

ولتزاوج هذه الشعوب في سعيها لإنجاز الإصلاح بين الضغط والحض، بين القول الصادق والفعل الجاد، وتطوي بين الجوانح اعتقادا لا يلين بأن التحديث الحقيقي يبدأ من نقد الذات توطئة لتغييرها لا احتقارها، وأن الإصلاح يبدأ من الداخل، ويدور في الداخل، ومن لا يقتنع بهذا فليمعن النظر في التجربة العراقية المريرة.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة