انعكست التحولات السياسية والأيديولوجية الجديدة، التي واجهت الصين في الربع الأخير من القرن العشرين، على طبيعة العلاقات الخارجية الصينية بدرجة كبيرة وغير مسبوقة. فالصين قد اختارت التحول من النظام الاقتصادي المركزي القائم على الهيمنة الحكومية الكاملة على كافة شؤون الاقتصاد إلى التحول النسبي نحو نظام السوق والانفتاح على السوق العالمي، وتحولاته ومتطلباته المختلفة.
ومن الغريب في التحولات الصينية أنها ارتبطت بالعداء للاتحاد السوفييتي السابق والانسجام مع السياسات الأميركية المعادية له. بل إن التعاون الصيني الأميركي سياسيا واقتصاديا قد وصل لمستويات لم يكن يتوقعها أكثر المراقبين تفاؤلاً.
ورغم ذلك، فإن الطموح الصيني لم يكن ليقف فقط عند التوحد مع السياسات الأميركية الخارجية؛ ففي ظل الفراغ الذي تركه انهيار الاتحاد السوفييتي، وفي ظل الطموحات الصينية الهائلة، كان لا بد وأن يحدث قدراً ما من الاختلاف فيما بينهما.
فالصين المعاصرة تنبأ عن قوة عالمية جديدة، لا تقل في مكانتها عن القوى العالمية المتنفذة الأخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية واليابان إن لم تكن تفوقها أهمية وطموحاً، وهو الأمر الذي ربما يجعل من القرن الواحد والعشرين قرناً صينيا بامتياز.
ومن غرائب الأمور وتحولات السياسات العالمية أن يكون تحول الصين نحو أميركا قد تم على حساب الاتحاد السوفييتي السابق، كما أنه من المتوقع أن يكون الوجود والتوسع الصيني في منطقة الخليج العربي على حساب الوجود الأميركي في المنطقة. وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى تصعيد المواجهات الأميركية الصينية في المستقبل المنظور.
وتوجب هذه التوقعات من المحللين السياسيين والاقتصاديين على السواء تحديد مدى تهديد العلاقات الصينية الخليجية الجديدة للمصالح الأميركية في المنطقة، وطبيعة رد الفعل الأميركي المتوقع على هذه العلاقات والتهديدات الجديدة. ولم تكن الصين لتستطيع أن تحقق ذلك التقدم الاقتصادي الهائل بدون الانفتاح على الأسواق الخارجية العالمية، وعلى رأسها منطقة الخليج .
وفي هذه الأجواء والتحولات المختلفة يمكن للمرء أن يفهم طبيعة العلاقات الصينية الخليجية التي تطورت خلال العقدين الأخيرين بدرجة كبيرة محققة قدراً كبيراً من المصلحة لكلا الطرفين. حيث جاءت العلاقات الصينية الخليجية تتويجاً لهذه التحولات الصينية.
كما جاءت أيضاً نتاجاً لرغبة الدول الخليجية بشكلٍ عام في تنويع علاقاتها الخارجية، والتحول عن استئثار الولايات المتحدة الأميركية بالمنطقة، وهيمنتها المفرطة عليها، وبشكلٍ عام تتحدد العلاقات الصينية الخليجية في ضوء ثلاثة أبعاد رئيسة يتحدد أولها بتغير أوضاع السياق العالمي وطبيعة القوى العالمية المهيمنة على هذا السياق.
ويتحدد ثانيها من خلال التغيرات والتحولات التي انتابت السياسات الصينية ذاتها. وأخيراً يتحدد ثالثها من خلال تغير التصورات الخليجية ذاتها والرغبة في التعامل مع المستجدات الجديدة بما فيها تلك القوى العالمية البازغة مثل الصين والهند.
ويمكن القول إن حرب الخليج الأولى والثانية قد مثلتا الإطار الذي وجدت الصين نفسها من خلاله في قلب التحولات الكونية الجديدة، إضافة إلى بداية حضورها الأولي في منطقة الخليج العربية. فمن خلال حرب الخليج الأولى والتي استمرت ثماني سنوات من عام 1980 وحتى 1988، باعت الصين ما قيمته 2. 6 مليارات دولار أسلحة للعراق. ومن اللافت للنظر هنا أن المستوردين الرئيسيين للسلاح الصيني في الفترة من 1986 إلى 1990 كانوا العراق وإيران والسعودية.
وإذا كانت حرب الخليج الأولى قد مثلت فاتحة لتصدير السلاح لمنطقة الخليج، فإن حرب الخليج الثانية قد مثلت فاتحة لدخول الصين كفاعل جديد في القرارات الكونية التي تمس المنطقة، وتحدد درجة استقرارها. ففي حرب الخليج الثانية 1990، وفي أعقاب غزو الكويت، استخدمت الصين البراغماتية السياسية بدرجة كبيرة من أجل الحفاظ على مصالحها الاقتصادية النامية في المنطقة.
لقد مثل ملمح الامتناع عن التصويت ملمحاً أساسيا في السياسة الخارجية الصينية في العديد من القضايا التي استدعت اجتماع مجلس الأمن والتي ارتبطت بالأمن الخليجي من ناحية، وبأمن المنطقة العربية من ناحية أخرى. وليس بعيداً عن ذلك الامتناع عن القرارات المتخذة ضد إيران من خلال هيئة الطاقة الدولية، حيث تحتفظ الصين بعلاقات قوية مع إيران، كما أنها لا تعطل القرارات الدولية المختلفة في الوقت نفسه.
وهو الأمر الذي قامت به الصين أيضاً في التخفيف من القرارات المتخذة ضد السودان. ففي عام 2004 خفف مجلس الأمن من حدة القرارات الصادرة ضد الانتهاكات الحادثة في دارفور خوفاً من الفيتو الصيني. لقد مثل الفيتو الصيني عاملاً هاماً من عوامل قوة السياسات الخارجية الصينية من جانب، كما مثل عاملاً هاماً في أهمية الصين بالنسبة للعديد من الدول التي تواجه مشكلات مع النظام العالمي، مثل إيران.
لقد ارتبطت الصين منذ حرب الخليج الأولى بمثل هذه النوعية من السياسات البراغماتية التي لا تريد أن تغضب أحداً، بشكلٍ مطلق، وإن كانت تُغضب بعض الأطراف بشكلٍ متفاوت يسمح باستمرارية العلاقات، وإعادة تأسيسها بشكلٍ قوي وفعال. وهو ما يمكن تفسيره بدرجة كبيرة في ضوء غيبة تلك الارتباطات الأيديولوجية السابقة التي ارتبطت بها الصين إبان فترة الحرب الباردة.
وربما أعاقتها عن تحقيق قدر ما من المرونة في تعاملاتها السياسية الخارجية. فالهدف الرئيس الموجه للسياسات الصينية الخارجية يتمثل في الحفاظ على الاستقرار العالمي، وبشكلٍ خاص في تلك المناطق البالغة الأهمية بالنسبة للنهضة الاقتصادية الصينية، مثل منطقة الخليج العربي.
ارتفع معدل التعاون الاقتصادي بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي بشكلٍ غير مسبوق منذ اندلاع حرب الخليج الثانية. ويمكن تفهم أهمية المنطقة بالنسبة للصين في ضوء احتياجاتها المتزايدة لمصادر الطاقة المختلفة من البترول والغاز الطبيعي لإدارة التوسع الصناعي الاقتصادي الصيني.
ورغم محاولات الصين تنويع مصادر حصولها على البترول والغاز الطبيعي فإنها تحصل على 50% من احتياجاتها من البترول من الشرق الأوسط، وعلى ما نسبته 30% من احتياجاتها من كل من السعودية وإيران.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن ما نسبته 70% من استهلاك الصين الإجمالي من الطاقة سوف يكون مصدره منطقة الخليج العربي عام 2015، وهو الأمر الذي يكشف عن تزايد اعتماد الصين شبه الكلي على منطقة الخليج في توفير البترول والغاز الطبيعي اللازمين للتوسعات الصينية الهائلة.
ويمثل تأمين الحصول على الطاقة من منطقة الخليج أحد أهم أركان السياسة البراغماتية الصينية المعاصرة. فبسبب من الاعتماد الصيني الواسع المدى على الطاقة، فإن مسألة استقرار المنطقة تمثل أحد أهم أهداف السياسة الصينية الخارجية الآن. فالصين تمثل ثاني أكبر مستهلك للبترول في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية.
لقد اتخذت العلاقات الاقتصادية الصينية العربية منحى هاما منذ أواخر التسعينيات وحتى الآن. بل إن هذه العلاقات تنبئ عن تحول كبير من الجانب الأميركي الأوروبي نحو الصين. وهناك العديد من مظاهر هذا التعاون والتبادل الاقتصادي بين الجانبين الصيني من ناحية والخليجي من ناحية أخرى.
فعلى المستوى الاقتصادي زاد حجم التبادل التجاري بين الصين والسعودية من 299 مليون دولار منذ بدأ العلاقات الدبلوماسية فيما بينهما عام 1990 إلى 3098 مليون دولار حيث صدرت السعودية للصين ما قيمته 1145 مليون دولار واستوردت منها ما قيمته 1953 مليون دولار.
وارتفع الرقم إلى 4 مليارات دولار أميركي عام 2001، كما وصل إلى 5 مليارات دولار أميركي عام 2002. ولم يقف حجم التبادل التجاري بين الصين والسعودية عند هذا الرقم لكنه وصل إلى ما قيمته 14 مليار دولار أميركي عام 2005.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى الزيارة التي قام بها الملك عبدالله بن عبدالعزيز للصين.
والتي جاءت تتويجاً للعلاقات الصينية السعودية بين أكبر مستهلك للبترول في العالم المعاصر وبين أكبر منتج له. وهو الأمر الذي تمخض عن العديد من الاتفاقيات التجارية، إضافة إلى تشجيع رجال الأعمال على زيارة البلدين من أجل التعرف على الجوانب الاقتصادية المختلفة التي يمكن البدء في الاستثمار فيها.
ولا تقف التبادلات التجارية على السعودية فقط لكنها تتعداها إلى باقي الدول الخليجية الأخرى. ففي ديسمبر 2005 وقعت الكويت على اتفاقية الاستثمار في مناطق التكرير والبتروكيماويات في منطقة إقليم جوانج دونج الصيني باستثمارات مقدارها 5 مليارات دولار أميركي.
كما سوف يتم تمويل ميناء تيان جين الصيني من خلال صندوق دبي للتنمية بما مقداره 500 مليون دولار أميركي. وبشكلٍ عام تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن حجم الاستثمارات الخليجية في الصين سوف يصل إلى ما قيمته 250 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو ما يؤشر على تزايد التبادلات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين الصين ودول الخليج الست في المرحلة القادمة.
وتستفيد الصين من تعاظم الاستثمارات الخليجية فيها من تحولات السوق الأميركية التي أصبحت أكثر تشدداً مع المستثمرين العرب بعد أحداث سبتمبر 2001. فالكثير من هؤلاء المستثمرين يشتكون الآن من تعاظم العقبات التي يواجهونها من قبل الحكومة الأميركية بعد أحداث سبتمبر والعديد من التشريعات التي تقيد أنشطتهم، وتفرض عليهم شروطاً جائرة من أجل الاستثمار.
ولعل هذا ما عنيناه بتأثيرات التحولات العالمية على تغير خارطة الاستثمارات العالمية والتحولات المختلفة المرتبطة بها. فالولايات المتحدة الأميركية، في حربها ضد الإرهاب قد تسببت في غلق الأسواق الأميركية ضد المستثمرين العرب، أدت من حيث لا تدري إلى خلق أسواق أخرى منافسة لها مثل السوق الصينية الأكثر طموحاً وأكثر أماناً.
لا تقف العلاقات الصينية الخليجية عند مسألة التبادلات التجارية لكنها ترتبط أيضاً بمبيعات الأسلحة الصينية المتدفقة إلى المنطقة. فقد باعت الصين للسعودية صواريخ باليستية متوسطة المدى من طراز css-z، كما باعت لإيران صواريخ مضادة للسفن من طراز HY-2، ومن طراز Silk Worm، C-801، C-802.
وتثير مسألة التسليح الصيني للمنطقة، وبشكلٍ خاص ما يتعلق بالصواريخ البالستية متوسطة وبعيدة المدى مخاوف الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على وجه الخصوص. ويمكن القول إن العلاقات الصينية الخليجية تسير بمعدلات سريعة، وعلى حساب الوجود الأميركي في المنطقة.
وهو الأمر الذي يجعلنا نرى بإمكانية تحول المنطقة الخليجية، مثلما كان الحال مع العالم العربي في الستينيات، إلى ساحة صراع مصالح جديدة بين الهيمنة الأميركية الآخذة في التآكل والاضمحلال، وبين النفوذ الصيني الطموح والمتصاعد. وهو الأمر الذي يستدعي من الدول الخليجية وضع سياسة عامة وموحدة للتعامل مع هذا الصراع الجديد القادم للمنطقة، وتوظيفه من أجل مصالحها.
كاتب مصري