يعتبر جان دورميسون بطريرك الثقافة والمثقفين في فرنسا حالياً. وقد زادت أهميته مؤخراً بعد ان انتخب نقولا ساركوزي رئيساً للجمهورية. ومعلوم ان الرئيس الجديد يعتبره بمثابة المعلم او الاستاذ. وقد كان في طليعة من دعاهم لحضور حفل تنصيبه المهيب في قصر الاليزية.
ينتمي جان دور ميسون الى الجيل الذي ولد حوالي عام 1925 أي جيل الكبار من أمثال ميشيل فوكو ورولان بارت وجيل ديلوز وميشيل سير وآخرين عديدين. ومعظمهم ماتوا في حين بقي هو في كامل نشاطه وحيويته. فعلى الرغم من انه تجاوز الثمانين الا انه لا يزال ناشطا على كافة الجبهات من سياسية وادبية وفلسفية.
وهكذا تحول الى نوع من الحكماء الذين اكتسبوا خبرة كبيرة بعد العمر الطويل والتجارب العديدة. فما رأي هذا الكاتب في أحوال العالم في الوقت الذي تجتمع فيه مجموعة الثماني الكبار في ألمانيا؟ انه يبدي قلقه على مصير الكرة الأرضية بأسرها ويقول: قبل خمسين سنة ما كان احد يهتم بمسألة المناخ والتلوث ورداءة الهواء الذي نتنفسه.
ولكننا نعلم الآن ان الكرة الأرضية اصبحت في خطر. فدرجة حرارة كوكبنا ترتفع وتقلبات المناخ تنتقل بنا فجأة من يوم حار وساخن بشكل غير طبيعي الى يوم شديد البرودة ويكاد ينفجر بالصواعق. ما سبب هذا الاختلال الذي طرأ على صحة الكرة الارضية والجو المحيط بها؟ انه يعود الى أعمال البشر الرديئة وصناعاتهم الثقيلة وسياراتهم التي تنفث الدخان والتلوث في كل مكان.
وهنا يتساءل جان دورميسون: هل من الخطر ان يكون الصيف اكثر سخونة والشتاء اقل برودة؟ ويجيب قائلا نعم انه خطر وربما اوصلنا الى الكارثة.وذلك لأنه يؤدي الى ارتفاع مستوى مياه البحار والمحيطات في كل مكان. وهنا يكمن احد المخاطر الأساسية التي تواجهنا في القرن الواحد والعشرين. فالبلدان المحاذية لشواطئ البحار وذات المستوى المنخفض قد تفيض عليها المياه وتغمرها. فإذا ما اختفت هولندا مثلا عن سطح الكرة الأرضية او اذا ما اختفت مدينة البندقية الشهيرة فإن ذلك سيشكل كارثة حقيقية.
وعلى هامش هذا التدهور الخطير طرأت احداث جسام لا تقل هولا ورعبا. فقد تزايدت الاعصارات والزلازل والهزات الارضية والطوفانات في مناطق شتى من العالم.وتزايدت الأوبئة التي تهدد الجنس البشري والناتجة عموما عن تلوث الأطعمة والأشربة. وهكذا انتشر الخوف بين البشر. ويذكرنا ذلك بتلك المخاوف الكبيرة التي سيطرت على الناس في القرون الوسطى وبخاصة الخوف من مرض الطاعون الذي يقال بأنه حصد نصف سكان اوروبا عام 1350 ميلادية.
ما هو الدرس الذي نستخلصه من كل ذلك؟ هو ان الطبيعة تنتقم منا اذا لم نرعها او نحترمها. فكل شذوذ مضاد لقوانين الطبيعة ندفع ثمنه غاليا عاجلا او آجلا.وبالتالي خففوا ايها الناس من تلويث الطبيعة او الاعتداء عليها عن طريق مصانعكم وسياراتكم التي تنفث الدخان في الجو باستمرار منذ اكثر من قرن ونصف على الاقل. اذا اردتم الا تعتدي عليكم الطبيعة او تنفجر في وجوهكم على هيئة الفيضانات والزلازل والحرائق فقللوا من اعتدائكم عليها.. هذا كل ما في الامر لا اكثر ولا اقل.
لكن هناك خطرا ثانيا يهدد البشرية وبخاصة في الغرب الا وهو: الانحلال الاخلاقي. فقد انتقل الغرب طيلة القرنين الماضيين من التربية التقليدية المتزمتة الى التربية المتساهلة ان لم نقل الاباحية. بمعنى آخر لقد انتقل من النقيض الى النقيض. ففي الماضي كانت التربية المسيحية التقليدية تشل الانسان شللا من كثرة قيودها واكراهاتها ومحظوراتها.
واليوم تفككت كل القيود والاكراهات ولم تعد هناك محظورات في مجتمعات الغرب. بل ورفعت ثورة مايو 1968 الشهيرة التي هاجمها ساركوزي مؤخرا الشعار التالي: ممنوع ان تمنع أي شيء! وهكذا اصبح كل شيء مباحاً.
وعلى هذا النحو انهارت العائلة في الغرب ولم يعد لمؤسسة الزواج أي معنى تقريبا. لم تعد لها نفس الهيبة والاحترام الذي كانت تتمتع به سابقا.بل وحتى ساركوزي كان احد نتاجات ثورة مايو على الرغم من مهاجمته لها.
فقد شاهدناه في قصر الاليزية وهو محاط بعائلته الشخصية المركبة من عائلتين في الواقع: أي اولاده من زوجته السابقة وزوجته الحالية مع اولادها من زوجها السابق!وهذا ما يدعوه الفرنسيون حاليا بالعائلة المركبة او المعاد تركيبها..فهل بقيت عائلة يا ترى؟
ولكن الأنكى من كل ذلك هو تفاقم الشذوذ الجنسي الذي حاربه ساركوزي في البداية قبل ان يرضخ للأمر الواقع ويعترف به وبمشروعيته غصبا عنه خوفا من ان يفقد مئات الآلاف من الاصوات الانتخابية.وذلك لأن الشاذين اصبحوا يشكلون الآن (لوبي) قوياً جداً في فرنسا ومعظم دول الغرب.
ويا ويل القائد السياسي الذي يتحداهم..نعم لقد اصبحت العلاقات الجنسية بلا رادع او وازع. وكل ذلك بحجة الحداثة او مراعاة التقدم والتطور!هنا تكمن احد انحرافات الحداثة أو شططها وغلوها وعدم قدرتها على التوقف عند حد معقول في التحرر. فالحداثة ليست خيراً كلها وانما تحمل في طياتها الخير والشر، الغث والسمين.
وينبغي ان نعرف كيف نغربلها لكي نطرح سيئاتها وصرعاتها التي لا تنتهي ولا نبقى الا على ايجابيتها وهي كثيرة ورائعة وتحريرية. وليس هدفي اطلاقا محاربة الحداثة في أفضل ما أعطته.غريب أمر البشر: كل شيء يحصل كما لو انهم عاجزون عن التوازن على خط معتدل.
فإما ان يعيشوا في حالة الانغلاق والتزمت كما قد يحصل عندنا، واما ان يعيشوا في حالة الاباحية وانعدام كل الضوابط الاخلاقية كما قد يحصل في الغرب. ولكننا نعلم ان خير الأمور اوساطها..نعم ان مرض الايدز الذي انتشر مؤخرا ناتج عن انتهاك قوانين الطبيعة وعربدة البشر وبطرهم واستسلامهم لفلسفة المتعة واللذة الشهوانية الحيوانية المحضة.
ثم يتحدث جان دورميسون عن ايجابيات الحداثة بعد ان عدد مساوئها والمخاطر التي تحدق بها ويقول بأن الناس في الغرب يعيشون في ظل نظام ديمقراطي حر. وهو اقرب ما يكون الى طبيعة البشر من حيث احترام التعددية وحق الاختلاف والسماح بالحرية الفكرية والدينية والصحافية الخ..وهو يختلف جذريا عن النظام السابق الذي كان مهيمنا على الغرب قبل مجيء عهد الحداثة.
وقد كان نظاما قسريا مستبدا قائما على التعسف والامتيازات والبطش وانعدام القانون وهيمنة العصبيات الطائفية والمذهبية. ولكن ينبغي الا ننسى ان هناك بلدانا عديدة في العالم لا تزال تعيش تحت مستوى خط الفقر. ولا يزال البؤس الاجتماعي يسيطر عليها او على شرائح واسعة من سكانها.
كما وتسيطر عليها الانظمة التعسفية والقمعية واللاديمقراطية. وأحيانا تحصد المجاعات عددا كبيرا من شعوبها كما يحصل في السودان وموريتانيا والصومال والحبشة وبنغلاديش وبلدان افريقية وآسيوية عديدة للاسف الشديد. وهذا اكبر دليل على اختلال توازن العالم. فمن جهة هناك بلدان الشمال الغنية جدا والتي تعيش في ترف يصل الى حد البطر. ومن جهة اخرى هناك بلدان الجنوب الفقيرة التي تتخبط في المجاعات والمآسي والحروب الاهلية.
فهل ستفعل مجموعة الثماني الكبار التي تتحكم بالاقتصاد العالمي شيئا من اجلها؟ هل سينتبه سادة العالم الى خطورة ذلك على التوازن الدولي؟ هذا ما نأمله ونرجوه دون ان تكون عندنا اوهام كثيرة حول الموضوع للأسف الشديد.وهذا يعني ان الصراعات والحروب والانفجارات سوف تتواصل الى أمد غير مسمى. والله أعلم.
كاتب سوري - باريس