غزة الآن مسرح لحربين ضروسين؛ حرب الإخوة وحرب الاتهامات، الأولى تأخذ وبسرعة طابع الإلغاء، والثانية تأخذ طابع الغطاء السياسي المطلوب، والشراسة في الاثنتين غير مسبوقة، الأمر الذي يشير إلى أن هذه الجولة ربما يراد لها أن تكون فاصلة.
كلا الفصيلين المتناحرين، «فتح» و«حماس»، يستنفر كل ما في ترسانته العسكرية والسياسية من ذخيرة لزجها في المواجهة بهدف ترجيح كفته، وبخاصة الذخيرة الاتهامية ومحاولات رمي الكرة في ملعب الآخر، لتحميله المسؤولية ولدى الطرفين الكثير والغزير من هذه البضاعة، وقد تكون على قدر كبير من الجدارة والوجاهة، لكن ربما نسي أو تناسى الطرفان أن الاندفاع بأوضاع ساحة كالساحة الفلسطينية إلى هذا الحد من النزف والنحر الذاتيين؛ ينعدم معه كل مبرر أو مسوغ، بحيث يصبح الكل متساوين في التهمة والمسؤولية.
تتهم «فتح» «حماس» بأنها تقوم بمحاولة «انقلاب» على الشرعية المتمثلة بالسلطة وبرئاسة أبومازن، في المقابل ترد «حماس» التهمة إلى «فتح» بأنها هي التي تحاول «الانقلاب» على الحكومة وبأن الرئاسة تقدم التغطية للانقلابيين، تحت هذه العناوين العريضة في الخطابين تدور المعارك الطاحنة بين الشارعين المطحونين بالتساوي تحت دواليب آلة العدوان الإسرائيلي بكل أنواع وأصناف الأسلحة من الرصاصة إلى الصاروخ والهاون، من مطاردة المقاتلين لبعضهم البعض إلى اقتحام منازل القيادات فضلاً عن الأمكنة والأبنية الرسمية وما يتخلل المواجهات من تفظيع وتقطيع لأوصال الحياة وضرب لأدنى مقومات الأمن والاستقرار، فالقطاع تحول إلى ساحة حرب لا ترحم.
وعندما تزداد الضغوط والمناشدات يلجأ كل فريق إلى وضع الملامة على عناصر «لا تلتزم» بأوامر القيادة؛ أو على جهات لا ترى من مصلحتها «قيام توافق» بين الفصيلين، أو عودة الحياة إلى حكومة الوحدة الوطنية. حالة رعب ونزف وإحباط لا مثيل لها؛ أخذ التعبير عنها شكل عمليات نزوح كبيرة باتجاه الأراضي المصرية.
سقطت من القاموس الفلسطيني عبارة هدنة، كما سقط وبصورة مدوية ما كان يسمى بالخط الأحمر أو المحرمات، أو صمامات الأمان؛ ناهيك عن الاتفاقيات الكثيرة والوساطات، انقلبت الأولويات، صار الاحتلال الإسرائيلي في المقام الثاني. بل أعطي فرصة التفرج بشماتة ـ وطبعاً بارتياح كبير ـ على الدم الفلسطيني يسيل على أيدي أصحابه.
الحالة المفجعة التي بلغها الوضع الفلسطيني والتي تحمل في ثناياها مشروع نكبة جديدة أشد وأقسى، ليست وليدة لحظتها، ولا هي بالتأكيد نتاج شراذم مسلحة أو «فوضى سلاح» و«فلتان أمني». على خطورة مثل هذه الظواهر، المصيبة في طورها الراهن لها جذور عميقة وخلفيات متداخلة، استفحلت لأنها بقيت بعيدة عن المكاشفة ولأن تحقيق المكاسب الضيقة بقي يتقدم على أولوية البرنامج الوطني الذي تفرضه المرحلة، الآن انفجرت المعادلة بعد طول تأجيل، معالجتها بالعقاقير المألوفة متعذر. الاستقالات لا تحل المشكلة. الوضع بحاجة إلى استدراك نقدي سريع من كل الأطراف.. وإلا الكارثة.
