الإنسان الفلسطيني هل هو ضحية إسرائيل أم العرب، أم قياداته، أو مؤامرة دولية رمته في بئر يوسف لينتهي سراب الأحلام والعودة، والوطن القومي، وشعارات سلام الشجعان، وكل ما طوته السنين بثقلها وأوراق شهادات من عرفوا تاريخ هذه المأساة؟.
هو ضحية جملة ظروف استراتيجية وفكرية، وسوء تنظيم احتاج إلى شخصيات بوزن القادة التاريخيين الذين شكلوا جبهات النضال من قوى متحالفة من أجل قضية مقدسة، والأمر المحزن أن الزخم الذي حصل عليه الفلسطينيون من تعاطف وتأييد عالمي من قبل اليسار في العقود الماضية، أو اليمين المتحرر من الهيمنة الغربية، وحتى سياسة نضال المراحل، والتحالفات مع قوى تدرك عمق المأساة حين ترى في التقاتل الفلسطيني أزمة أخلاقية، وتحولاً خطيراً أجبر المتعاطفين معهم على النظر إلى هذه القضية كجزء من تخلف عام يسود المنطقة العربية والعالم الإسلامي.
فالفلسطيني المحتجز في سجن المخيمات بالمدن العربية، يعيش حالة تهجير جديد في لبنان، وضربات على أرضه، وأمكنة إيواء لا تليق بالإنسان، والمأساة الأخرى أن تأتي بتلاحق الأزمات في أجواء حرب في العراق، والسودان، ولبنان، وضعف تام على الجبهة الدولية بعد التورط الأميركي في أزماته، وانتشار الإرهاب في العالم الإسلامي واتخاذه أشكالاً متطورة من التنظيم والسرية، واستخدام تكنولوجيا العصر في تدمير كل شيء إسلامي أو غير إسلامي من خلال ثقافة العنف والحقد.
هذا المصير المعلق لشعب كفر بكل شيء، هل يتجه إلى المجهول فيتحالف مع أي تنظيم انتقامي كنتيجة طبيعية لواقع وُضع به قسراً، وبدون خيار أو حتى احترام لآدميته، أو يتحول إلى خصم لمحيطه العربي، ليذهب إلى نشر أسلوب جديد من الانتحار، كتعويض عن مسلسل الضغوط التي يواجهها؟ هل انتهى فكر المقاومة، واليأس من سلام بثمن مهين وأن الحرب مع إسرائيل وفرت شروط حرب أهلية داخلية، وأن الأجيال الفلسطينية الراهنة لم يعد لديها اليقين بالعيش، وقد وصلت إلى حد الكفر بكل ما علّقها بحبال الوهم؟..
فلسطين جزء من لعبة متعددة المخرجين، وبسيناريوهات مسرح اللا معقول وبأهداف صيغت بشكل دقيق، وأن التفسير للواقع الراهن بالخطف والقتل بين فتح وحماس ضعف في بنية التنظيم وانقسام الدولة، وأن الأرض ليست بهموم من كتبوا قصائد النضال ليكون مهر الزواج الفلسطيني القدس، وكل ما عُرف تاريخياً بفلسطين، وأن القيادات الراهنة رهان خاسر لقضية أرادوا لها أن تكون خاسرة..
لقد سقط شهداء، وذهب أحرار إلى السجون والمعتقلات، وحتى المرأة التي ظلت حبلى بإنجاب الأجيال، وقدمت شرف المرأة العربية ذات التضحيات الكبرى، باتت تندب الأرض والولد.. الموضوع ليس رثاء لموت شعب ووطن، ولا جلب عواطف، ولكنها المأساة بنهاية عقل وفكر لأشرف قضية في تاريخ العرب..
