في الوقت الذي تواصل فيه مصر جهودا مكثفة للتوصل إلى وفاق وتهدئة شاملة بين الفصائل الفلسطينية المتصارعة.وفي الوقت الذي تستضيف فيه القاهرة حوارا ممتدا لأكثر من أسبوع بين تلك الفصائل وزعمائها, تندلع من جديد اشتباكات دموية يندى لها جبين كل عربي مخلص بين عناصر من حركتي فتح وحماس.
ويبدو من سير الأحداث حتى الآن أن الاقتتال بين الفلسطينيين في قطاع غزة دخل مرحلة خطيرة جدا رغم أنه ينشط, ويتوقف ولا يستمر سوي فترات محدودة.فالمسلحون التابعون لحماس والتابعون لفتح أصبح بينهما ثأر دموي لا ينتهي بمجرد اتفاق الزعماء على التهدئة.
ربما يكون هناك طرف ثالث يغذي هذه الاشتباكات التي وصفها اللواء برهان حماد رئيس الوفد الأمني المصري المقيم في الأراضي الفلسطينية بصفة دائمة بأنها أياد شيطانية!
وكأن الفلسطينيين لا يكفيهم القصف الإسرائيلي المتواصل على مدنهم وقراهم بالقنابل والصواريخ, ورصاصات الاحتلال ومذابحه التي بلغت ذروتها بمذابح صبرا وشاتيلا التي قتل فيها نحو تسعة عشر ألف فلسطيني.
وكان الأحري بهذه العناصر غير المسئولة سواء من فتح أو حماس أن توجه بنادقها نحو العدو بدلا من هذا الصراع العبثي الغبي حول النفوذ السياسي في الأراضي المحتلة, خاصة أن الصراع على السلطة يدور بين أكبر حركتين سياسيتين في الساحة الفلسطينية في وضع مزر لا سلطة فيه إلا للاحتلال, حيث لم يتم نيل الاستقلال, ولا إنجاز مهام التحرر الوطني.
إننا نذكر الفلسطنيين إن كانوا قد نسوا أن الضفة الغربية مازالت محتلة, وخاضعة للسياسات الإسرائيلية التي تجعلها ممزقة الأوصال بالحواجز العسكرية, والمعابر, والمستوطنات, والطرق الالتفافية الخاصة بالمستوطنين اليهود.ونذكر الفلسطينيين إن كانوا قد نسوا أيضا بأن قطاع غزة مازال محتلا, ومازال مغلقا على سكانه, ومازال مطوقا من البحر والبر والجو.
إن هذا الوضع المحزن الذي آل إليه الحال الفلسطيني يعد هدية مجانية لإسرائيل, فهو يثبت صدقية كلامها في شأن عدم نضج الفلسطينيين للاستقلال أو لإدارة أوضاعهم, وفي شأن ميلهم إلى العنف لحل خلافاتهم, مما يسهل لها تبرير التملص من التسوية بدعوى انعدام الثقة بأي تسوية أو اتفاقات مع الفلسطينيين.
كما أن هذا الاقتتال يعطي لإسرائيل مساحة من الوقت والظروف المواتية لكي تستمر في احتلال الأرض, والبقاء فيها, وتغيير طبيعتها. كما يوفر لها مشقة إجهاض مخططات المقاومة التي باتت تفتقر إلى استراتيجية موحدة لإدارة العملية السياسية مع إسرائيل ومع المجتمع الدولي المساند لها.
لقد حان الوقت لكي تدرك القيادات الفلسطينية سواء كانت من فتح أو حماس أو غيرهما أنها كلها تحت نيران العدو الغادر, ولا مفر أمامها من الوحدة والمواجهة, وأن عليهم تقع مسئولية توحيد الصف, ولم الشمل, وأن يتجاوبوا مع الجهود المصرية التي لم تتوقف للتوصل إلى التهدئة الشاملة.
