يتجلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بإنشاء مؤسسته الرائدة للتنمية البشرية بوقف عشرة مليارات من الدولارات، وتتجلى رسالة المؤسسة في دعم العقول والقدرات العربية الشابة وإنشاء مراكز الأبحاث العلمية وبعثات الدراسات العليا في أعرق الجامعات والمعاهد العالمية.. وتلك البداية.
هكذا جاء الخبر يحمل للقراء ولادة مؤسسة محمد بن راشد بعد أن أعلن في منتدى البحر الميت بالأردن عن هذا التوجه. وعلينا أن نشيد بإيمان هذا الشيخ الكريم بالعلم والمعرفة وبدور العقل في النهوض بالمجتمعات، وإيمانه بالبحث والتنقيب، والعزم على الوصول إلى أعرق الجامعات بحثاً عن المعرفة.
وجاء عطاء الشيخ الكريم ليثبت بالدليل القاطع، أن رجال الخليج يملكون جرأة المبادرة والقدرة على تنفيذها، والهمة في الإشراف عليها، والتصميم على نجاحها خاصة وأن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد صرح منذ أيام في لقاء معه بأن همه في الحياة أن يعيش دائماً في الصف الأول، لا يريد الثاني، لا في الصفوف ولا في السلوك، ويشير في تلك المقابلة إلى أن الناس لا تتذكر الرجل الثاني في الرحلة إلى القمر، وطبعاً سيتذكر الناس الأول في بناء مؤسسة العقل والعلم والمعرفة.
كنت أقول دائماً وأكتب باستمرار، بأن صوت المستقبل يأتي من الخليج الذي يتميز بالتحرر من الموروث البيروقراطي، ويملك الأهلية المالية، ويملك أكثر غريزة الاقتحام البناء. نحن نتحدث عن الجرأة ليس في الانقلابات العسكرية والطواف بالشوارع في مهرجانات التصفيق والهتافات، وإنما الجرأة في الخروج عن المألوف نحو الفناء الواسع في العطاء، والواضح أن صاحب السمو الشيخ محمد عارف بالمستجدات في العالم، وملم بشروط التطور، ودبي شاهد بليغ على تفاعل صاحب السمو الشيخ محمد مع التحديات، ومن المناسب أن ندون بعض الملاحظات:
أولا: لا أشك أن صاحب السمو الشيخ محمد متابع لمفاهيم التنمية البشرية التي تطل على الخليج في معانيها الإيجابية من شرق آسيا، هناك نجحت الدول ـ الهند وغيرها ـ من تخريج آلاف من الشباب المسلح بالعلم التكنولوجي الذين انتشروا في المصانع كعمال، لكنهم عمال المعرفة، ليسوا من فئة تنظيف البلاط وتلميع الفضيات، وإنما هم مديرون وصفوف من مشغلي المصانع والمشرفين على إنتاجها والمخططين لصادراتها.
حقيقة عمال المعرفة هي الامتثال لما يسمى «قوة المعرفة ـ The power of Knowledge» حيث تعلو المجتمعات بسبب معرفتها، وتتميز لأنها تملك القوة، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وشهدت الشعوب حصيلة المعرفة كما نقرأها الآن في شرق آسيا الذين أطلقوا عليها «النمور» وهم ليسوا من فصيلة النمور في حدائق الحيوان، وإنما هم النمور بالجرأة وبالمبادرة وبالحيوية، وربما بالأناقة.
ومن المناسب أن نشير إلى دبي ـ الذي جعل صاحب السمو الشيخ محمد منها شيئاً آخر، والسبب أنه استورد المعرفة وطوعها لتنمو في بيئة صحراوية خليجية، لكن لماذا يستورد إلى الأبد؟ لابد من أخذ المعرفة بحوافز تقدمها المؤسسة إلى مالكي الطموح.
ثانياً: لن تبتعد مؤسسة صاحب السمو الشيخ محمد عن علاج التعليم وإصلاحه، فالممر إلى المعرفة وطريقها هو العلم، وهذا العالم الذي نعيشه الآن حصيلة العقل المتحفز والمحقق والمتسائل صاحب الفضول، الذي لا يتحرج ولا يخجل.. اعتماد العقل في التعليم.. مفتاح التفوق، ورجاحة العقل تقود إلى السلوك السليم، وإلى الاكتشاف والاختراع وملاحقة المعرفة ومطاردتها للوصول إلى حل ألغازها، كما يفعل العلماء في أوروبا وأميركا والدول المتقدمة.
ولعل صاحب السمو الشيخ محمد يصر في إدارة المؤسسة على شروط الانتماء لتكون للنخبة المميزة في عقولها، فالعلم يعترف بشيء واحد فقط، الموهبة في التفكير، لأن النخب في العلم، وللمتفوقين في مدارس الابتكار والعطاء. هناك مدارس مخصصة لأعيان العقل.
وهناك مدارس للآخرين الذين ليسوا من الأعيان، ومدرسة صاحب السمو الشيخ محمد مؤسسة للموهوبين المتحدين والمدفوعين بالطموح، وبصراحة تقدم مؤسسة صاحب السمو الشيخ محمد تحدياً لبعض جوانب النظام الاجتماعي الخليجي القائم على رعاية دولة الرفاه التي لا تفرق بين المجد والخامل، بين الطموح والباهت، بين الباحث عن المعرفة وبين القانع بالقاع. ولهذا نتمنى أن تكون شروط الانضمام إلى المؤسسة تشكل التحدي لمجتمع الثوابت والموروث والتقاليد إلى مجتمع السواعد والعرق والتحدي، كما كان أهل الخليج أيام فقرهم.
ثالثاً: نتحدث أيضاً عن دور مؤسسة محمد بن راشد في ما نسميه الحكم الصالح، والحكم الصالح هو ثمار العقل والتجارب المنفتح على المستجدات والمقتبس للتطورات والباحث عن التعرف على آخر المخترعات في سلوكيات المجتمعات، فأخلاقيات العمل والمساواة في حقوق المواطنة، والولاء للنظام السياسي العادل والمستنير لا تنضج في مجتمعات الكسل والخنوع، وإنما في الحكم الراشد والصالح وهو حكم المعرفة والعقل، والقارئ للأحداث والقادر على التفاعل معها.
وهنا يبرز عنصر مهم في دولة العلم والمعرفة وهو ما نبحث عنه أو ما نجده في المجتمعات الراقية ـ ما نسميه الاعتماد على الذات ـ لن يأتي الحظ من السماء لإنقاذ الكسلان، وإنما المنقذ هو العلم والمعرفة والعقل، في المجتمعات الخليجية والعربية البحث دائماً يدور حول الضمان الاجتماعي المعتمد على دور الدولة ودور الجمعيات الخيرية وأصحاب الشهامة في الزكاة، في عالم المعرفة يقوم السلم الاجتماعي على الأداء والاعتماد على النفس، فالكل يعمل في بيئة منظمة لها ضوابطها، فحق التفوق مكفول للجميع، فلا ينتظر أحد وساطة تأتي من صديق أو من قريب.
ومن المؤكد أن صاحب السمو الشيخ محمد والمشرفين على مؤسسته على علم بتقارير التنمية البشرية حول أوضاع الخليج، وهي في منزلة متواضعة، وتوظيف الحكومة في الكويت 75% من القوى العاملة لا حاجة لها، وإنما التكافل الاجتماعي الخامل أدى إلى هذا الوضع المزري، والطريق المأمول نحو القطاع الخاص سيدفع طالبي الوظائف نحو الجد والعمل والانضباط.
وأخيرا نتمنى أن تتميز مؤسسة محمد بن راشد بالانضباط الصارم، لا تتسلل إليها الاعتبارات السياسية ولا الواسطة، وأن يضع أولوياتها وفق احتياجات المنطقة، بلا تميز للجنسية، أو بلد أو موقع، والميزة الوحيدة هي فقط الموهبة والتفوق.
قدر منطقة الخليج ليس فقط أن تعطي وتساهم وتستثمر وإنما أيضا أن تقتحم وتبادر وتقود، فلا أتوقع أن يقود من قتله الاعياء واليأس وارتاح للاتكالية... و صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لائق في حيويته وجرأته.
كاتب كويتي