كما قال الكاتب الصحافي البريطاني باتريك سيل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، فإن الحرب في العراق «دخلت خلسة الأسبوع الماضي مرحلة جديدة». فما هو هذا الجديد؟

سيل يشير إلى ما أوردته «واشنطن بوست» من أن إدارة بوش قد اعتمدت خطة لاستدامة بقاء الوجود العسكري الأميركي في العراق لأجل غير مسمى، أو قل إلى الأبد. وتعليقاً على ذلك يقول الكاتب البريطاني إن ما نشرته «البوست» يؤكد ما كان مثار شك لمدة طويلة.

وفي تزامن مع ما ورد في الصحيفة جاء التأكيد على لسان توني سنو الناطق باسم البيت الأبيض بأن الرئيس بوش يريد حضوراً مطولاً للقوات الأميركية في العراق معللاً ذلك بأن «الوضع في العراق والحرب على الإرهاب مسألتان سوف تتطلبان وقتاً طويلا».

قد يبدو هذا التوجه مناقضا تماماً للسياسة الأميركية المعلنة حتى الآن. فالمرتكز الأساسي للسياسة المعتمدة هو الانسحاب من العراق.. وإن كانت إدارة بوش تتحاشى تحديد جدول زمني معين. لكن التوجه لا يتعارض مع الأهداف الاستراتيجية الأميركية بعيدة المدى، وهي أهداف غير معلنة رسمياً، وهما هدفان على وجه التحديد: حماية أمن إسرائيل والسيطرة على الاحتياطيات النفطية العراقية، الأكبر في العالم بعد الاحتياطيات السعودية.

منذ الوهلة الأولى كانت الذرائع الأميركية لغزو العراق واحتلاله موضع ريبة إلى أن انفضحت بالكامل الواحدة تلو الأخرى. في وقت مبكر سقطت ذريعة «أسلحة الدمار الشامل». وبعدها ثبت أنه لم تكن لنظام صدام أية علاقة مع تنظيم «القاعدة» قبل أن تنكشف أسطورة تحويل العراق إلى نموذج ديمقراطي يحتذى به، غير أن الأهم من كل ذلك هو ثبوت أن هذه الذرائع المهترئة استخدمت كغطاء لإخفاء الهدفين الاستراتيجيين بعيدي المدى مما يتطلب تمديد الوجود العسكري الأميركي إلى الأبد.

وفقاً للقصة الإخبارية التي نشرتها «البوست» فإن هذا الوجود العسكري المستديم سوف يتخذ شكل احتلال خفي، ولهذه الغاية لن يتجاوز عدد القوات الأميركية 30 ألفاً يتولون مهمتين: ضمان أمن الحكومة العراقية ومساعدة الجيش العراقي عند الضرورة في معاركه ضد «الإرهابيين».

هكذا سوف يخرج العراق نهائياً من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي بينما يتحول إقليم كردستان تحت رعاية وحماية الولايات المتحدة إلى قاعدة إسرائيلية محاذية للحدود مع إيران وسوريا، وفي هذه الأثناء تدخل كبرى الشركات النفطية الأميركية لتؤول إليها ملكية صناعة النفط العراقية عبر برامج خصخصة.

هكذا تدخل الحرب في العراق مرحلة جديدة كما قال باتريك سيل في مقاله وفي السياق يعيد سيل إلى أذهاننا ما سبق ان ورد على لسان الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر العام الماضي قائلا إن هناك أشخاصاً في واشنطن ليس لديهم أية نية لسحب القوات الأميركية من العراق.

والأسئلة المطروحة هي: هل تنجح الخطة الأميركية طويلة المدى؟ وهل تستطيع القوات الأميركية أن تقضي نهائياً على المقاومة العراقية المسلحة؟ وهل تبقى إيران ساكتة عن خطر أمني أميركي جسيم على عتبة دارها؟ وهل تسكت تركيا عن قيام كيان كردي قوي حتى لو كان تحت حماية أميركية؟

التاريخ يقول لنا إن الإدارات الأميركية المتعاقبة ترسم خططاً متينة نظرياً لكنها تتخذ مساراً مختلفاً تماماً على صعيد التطبيق.