فيما يتعلق بموضوع مقال البارحة، فإن عدداً من القراء يعتقدون أن المجتمع لا يتجاهل الكبار، هم غير موجودين في أفق الرؤية وفي التفاصيل الحياتية اليومية، لا نراهم إلا عند باب المسجد أو في غرفة انتظار الطبيب أو على أسرة الأقسام الداخلية في المستشفيات أو دور العجزة، ليس لأن أحداً يتجاهلهم ـ هكذا يعتقد البعض ـ ولكن لأنهم هم يتجاهلون حقهم في الحياة ويمعنون في مسألة الاختباء.. ربما للبعض وجهة نظر، احترمها ولكن هناك مسألة جوهرية تتعلق بطبيعة العلاقات التراتبية بين الأجيال.
في كتاب «التأرجح بين الأجيال» يضع الكاتب يده على تفاصيل السلوك الذي يتبعه جيل الأبناء ولا يقبله جيل الآباء بينما يراه جيل الأجداد أمراً لا يمكن احتماله وعليه فإذا جاء التصرف من الأجداد فإن أبناءهم قد يتقبلونه على مضض بينما ينظر إليه الأحفاد على أنه سلوك تجاوزه الزمن.. هذا ما يفاقم الفجوة بين الكبار وما حولهم في أغلب الأحيان دون أن ننتبه إلى أن الكبار قد تربوا على نسق حياتي معين لفترة طويلة جداً ما جعلهم يتأقلمون معه جسدياً وذهنيا وعاطفياً وإن أي تغيير أو طلب بالتغيير قد يدفعهم نحو الاعتراض والاكتئاب كدليل على الرفض!
التأرجح بين الأجيال يخلق الفجوة ويضاعف الأزمة خاصة حينما تعيش الأجيال الصغيرة كارثة الانسلاخ تماماً عن هويتها المتمثلة في كثير من ثقافة الجد أو الأب، وعندها فمن الطبيعي أن يذهب الفرقاء كل في اتجاه.. يذهب الآباء والأجداد نحو الاختباء والاتكاء على الماضي ويذهب الأحفاد الصغار والمراهقون إلى التماهي مع ثقافة الآخر والمختلف تماماً والمناقض أحياناً.. بحجة أنها ثقافة الحياة المعاصرة!!
نعم هناك فراغات كثيرة يعاني منها الناس، هناك تباعد اجتماعي تفرضه أو فرضته ظروف الطفرة والتنمية والحراك الاقتصادي، لكن وفي المقابل فإن هناك تباعداً موازياً جاء اختيارياً وسعى إليه الناس سعياً بكل قواهم، هؤلاء الذين يرهنون صفاء نفوسهم وتصالحهم مع ذواتهم للقسوة والجفاء والمصالح وعلاقات اللحظة المؤقتة حتى انتهاء الصفقة!
أسمع البعض، وقد امتلأ بالمال والنفوذ وهو يتشهى جلسة الأصحاب القدامى، وليالي الأنس القديمة، واجتماعات العائلة الحميمة على مائدة غداء أو عشاء، البعض يتمنى لو يعود إخوته يضحكون معه كما كانوا بذات الصفاء والمحبة وإن اجتمعوا فلا يسمع إلا صوت قهقهات ونكات، لا حديث متواصلاً عن الأسهم ومشاكل العمل وزيادات الرواتب وزحمة الشوارع وشكاوي لا تنتهي..
نعم نكبر ولكن لماذا تشيخ قلوبنا قبل أوانها؟ الكل يؤجل بانتظار الغد، يؤجل سعادته، أنسه مع عائلته، يؤجل عواطفه، مشاريعه الصغيرة الهادئة مع نفسه يؤجل كل شيء للعمر الآت.. وكأنه سيعيش عمرين.. نحن لا نتأرجح بين الأجيال فقط نحن نتأرجح في الحياة نفسها بيننا وبين أنفسنا!!
