في فبراير الماضي أثار المرشح للرئاسة الفرنسية في مدينة تولون فكرة إنشاء اتحاد متوسطي تقوده فرنسا ويجمع بلدان أوروبا المطلة على المتوسط أي ايطاليا وأسبانيا واليونان وقبرص وبلدان الشمال الإفريقي مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب إلى جانب البلاد الكبيرة الأخرى على ضفة المتوسط وهي تركيا.
وليلة فوزه بالرئاسة الأحد 6 مايو وفور الإعلان عن النتائج كرر الرئيس ساركوزي هذه الفكرة في قاعة (غوفو) بباريس، موضحا بعض التفاصيل بشأنها، والأهداف التي يراها لهذا الاتحاد. وقال الرئيس المنتخب بأن مستقبل المنطقة سوف يكون رهين ضفاف البحر المتوسط، وأنه حان الوقت لإنشاء هذا الاتحاد كهمزة وصل بين أوروبا وإفريقيا، وهو يشكل بالنسبة لنا حلم سلام وحلم حضارة، وكما توفقنا منذ ستين عاما في بناء الاتحاد الأوروبي سنعمل معا في بناء الاتحاد المتوسطي. هذا ما قاله ساركوزي في قاعة (غوفو) وسط حماس مؤيديه، لكن المحللة السياسية السويسرية( ايليونور سولزار)، كتبت في صحيفة (لوتون) الصادرة بجنيف يوم 8 مايو تقول:
علينا أن ننتبه إلى ما قاله ساركوزي في خطابه أثناء الحملة الانتخابية حول هذه الفكرة حين أكد حرفيا بأن هذا الاتحاد هو بمثابة الحلم ممكن التحقيق، مضيفا بأنه نفس الحلم الذي ألهم بونابرت في مصر وألهم نابليون الثالث في الجزائر وألهم الماريشال ليوتيه في المغرب.
وهي إشارات لا تخطئ بأن الرئيس الجديد يريد إعادة الحضور الفرنسي لبلدان العرب والمسلمين بنفس العقيدة التي حركت بونابرت ليحتل مصر والشام عام 1798 والتي دفعت نابليون الثالث إمبراطور فرنسا ليعزز استعمار الجزائر، بعد انتصار الجيش الفرنسي على ثورة الأمير عبد القادر سنة 1846، والتي أوحت للماريشال ليوتيه بإدارة المملكة المغربية كأنها كانت مقاطعة فرنسية في الثلث الأول من القرن العشرين!
وهذه الخلفية للعقل الباطن لليمين الفرنسي كشفت عن نفسها من خلال تصريح ( لا تلميح) ساركوزي، وهو أمر على أقل تقدير يجب الاحتياط منه والحذر من عواقبه، خاصة إذا علمنا بأن السياسة العربية التي انتهجها الرئيس السابق شيراك أسوة بالجنرال ديجول أصبحت صفحة مطوية في الدبلوماسية الفرنسية الجديدة، وخاصة إذا كنا قرأنا تاريخ تلك «الأحلام» الثلاثة وعرفنا بأن بونابرت حين دخل إلى القاهرة قتل علماء الأزهر ونكل بالمجاهدين ودنس الازهر بخيوله وقمع ثورة القاهرة في أكتوبر 1899 بحمام دماء قصف فيه المدينة بالمدافع.
وهرب من مصر إلى باريس بعد شهور تاركا خليفته الجنرال كليبر الذي قتله ألفدائي الشامي سليمان الحلبي، وخلفه الجنرال مينو الذي اعتنق الاسلام، وباءت تلك الحملة المجنونة بفشل ذريع. وفي عهد نابليون الثالث قام الجنرال بيليسييه بحرق قبيلة كاملة في الجزائر ومجازر لا تحصى، أما الماريشال ليوتيه فنعرف كيف أخمد ثورة الأمير عبد الكريم عام 1921 بالمغرب! إن هذا اللجوء للتاريخ الذي قام به الرئيس ساركوزي يؤكد إحدى فرضيتين: إما أنه لا مستشار لديه تعمق في فهم معاني التاريخ، أو انه كما أعلن هو ذاته لا يستعمل اللغة الخشبية ويفصح بجرأة عن نواياه.
ونأمل أن تكون الفرضية الأولى هي الأصح لأن الفرضية الثانية تفتح لعرب الضفة الجنوبية للمتوسط إشكاليات أخطر في العلاقات القادمة مع فرنسا وأوروبا، تسعى إسرائيل جاهدة لكي تورط فيها الرئيس الجديد ساركوزي، من خلال هذا الحلم باتحاد متوسطي له هذه الأبعاد الضبابية الغامضة.
البعد الثاني للاقتراح جاء أيضا على لسان الرئيس ساركوزي، وهو قوله حرفيا بأن تركيا تلك الأمة العظيمة ستجد مكانها ضمن الاتحاد المتوسطي، وذلك أفضل لها من الجري وراء عضوية الاتحاد الأوروبي الذي لا يتسع لها لأنها تقع في آسيا. وهنا لا بد من الإشارة إلى أمرين:
الأول هو أن رئيس المفوضية الأوروبية مانوال باروزو لفت نظر الرئيس الفرنسي المنتخب إلى أن هذا الكلام مناف للعهود التي قطعها الاتحاد الأوروبي على نفسه بالإجماع بفتح مفاوضات مع تركيا تؤدي إلى عضويتها، وبأن تركيا عضو كامل في حلف شمال الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية.
والأمر الثاني هو أن ساركوزي يدرك تماما بأن إقصاء تركيا من الاتحاد الأوروبي ليس سببه جغرافي بل السبب الحقيقي ديني وحضاري أساسا، وهو ما ذكرته الصحيفة الايطالية (لا رسبوبليكا) في عددها (7 فبراير 2007) فساركوزي يعرف في إطار حملته الانتخابية بأن رفض انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي يجلب له المزيد من الأصوات ويسحب البساط من تحت أقدام اليمين المتشدد الذي تشكله الجبهة الوطنية بنسبة حوالي 15% من المقترعين.
ومن جهة أخرى كتبت مجلة (لونوفيل ابسرفاتور) الباريسية تعلق على الموضوع قائلة بأن ساركوزي يريد استعادة دور الإمبراطورية الرومانية ثم الفرنسية، لأن هاتين الإمبراطوريتين اعتبرتا بأن البحر المتوسط هو فضاء التنافس التاريخي الطويل بين الإسلام والغرب، منذ الفتوح الإسلامية لأوروبا والحروب الصليبية والصراع الاستعماري إلى اليوم.
وقد تغير هذا الصراع في الزمن الراهن ليأخذ أشكالا جديدة أبرزها ملف الهجرة التي تقض مضاجع الأوروبيين، والتي جعل منها ساركوزي حين كان وزيرا للداخلية حصانه الرابح في معركة الفوز بالرئاسة، وكذلك ملف تصدير الإرهاب من الضفة الجنوبية للمتوسط إلى ضفته الشمالية بعد تفجيرات مدريد ولندن. فهل يريد الرئيس الجديد إنشاء اتحاد أمني وقضائي فقط لدرء مخاطر الإرهاب والهجرة السرية؟ أم هل يريد بالفعل شراكة متوسطية كان جربها الرئيس ميتران عام 1995 وأخفقت وكان أطلق عليها اسم (يورو ميد)؟
إننا على الضفة الجنوبية كدول مستقلة وحرة وذات سيادة لا بد أن نتشاور قبل الانخراط في كيان هلامي وشبحي لا يخدم مصالحنا ولا يراعي حقوقنا ولا يقرأ حسابا للوشائج العريقة والعميقة التي تربطنا بقضايا فلسطين والعراق وأفغانستان وتركيا وإيران، فنحن متوسطيون بالفعل ويدين لنا هذا البحر بالجزء الأعظم من حضارته ومن سلامه ومن أمنه، ولكننا أيضا عرب مسلمون. ويخطئ من يخط سياساته على غير هذه الحقائق.
كاتب تونسي
alqadidi@hotmail.com
