يبدو أن العنف العبثي، المندلعة نيرانه في المنطقة، قد انتقل إلى طور جديد من الجنون والانفلات، طور صار معه كل شيء مستباحا؛ من بشر وحجر ومؤسسات إنسانية. معه تسقط الحرمات والحصانات. لا رادع يقف أمامه؛ ولا وازع يرده. وكأن التناحر الجاري، في أكثر من ساحة، سائر نحو تدمير الهيكل على من فيه. في غزة صارت المستشفيات مستباحة. نيران المتقاتلين لا توفرها. باتت مستهدفة مثلها مثل غيرها. لم يعد وضعها الخاص يشفع بها.
في مخيم نهر البارد في لبنان، يسقط جنود مؤسسات الإغاثة ـ من الصليب الأحمر ـ برصاص المتحاربين وكأنهم طرف في الصراع. دورهم الإنقاذي لم يعد له حساب. وهو دور له امتيازه وحصانته في ساحات الحروب.في بغداد دخلت أساليب جديدة للفتك بالأرواح، كانت فيما مضى من المحرمات: تلغيم نعوش الموتى لتفجيرها في المكان الذي يضمن سقوط أكبر عدد من القتلى. الجسور التي تربط مناطق بغداد وتشكل أحد أهم شرايينها الحيوية، صارت هدفاً للتدمير.
طبعاً، عندما لا تعود للحياة حرمة، يصبح من باب تحصيل الحاصل أن تفقد الأشياء والمؤسسات والرموز مناعتها؛ لتتحول هي الأخرى إلى مواقع ومتاريس وفريسة مشروعة. والمخيف أن الساحة تبدو شبه خالية أمام هذا الانفلات الجنوني للعنف. المحاولات التي جرت، ولا تزال، لكبحه؛ عجزت ولم تفلح في مهمتها.
عدا عن أنها متواضعة وتقليدية، فهي تتصدى لصراعات معقدة ومتشابكة؛ يتداخل فيها المحلي مع الإقليمي والدولي. والوساطات والأدوار المطلوبة والقادرة على شق طريقها باتجاه وقف التدهور المريع؛ لابد وأن تكون أيضاً من العيار الإقليمي والدولي. لكن على هذا الصعيد يبدو وكأن هناك استقالة. أو في أحسن الأحوال هناك تحركات «برّانية»؛ إما لرفع العتب وإما لشراء الوقت ليس إلا؛ أو لأن مثل هذا الدور لا يزال مفقوداً بحكم خليط من العجز والارتباك ـ أو الإرباك ـ والتخبط.
لكن إذا كانت الأطراف الأخرى عازفة، لأسبابها وحساباتها، عن النزول بثقلها لوقف هذا النزف القاتل ـ الذي ربما كان بعضها ضالعاً في إشعال ناره ـ؛ فماذا عن القوى الداخلية في هذه الساحات؟ المأساة أنها جميعها تتحدث، ليل نهار، عن مخاطر الاقتتال وعن محاسن التسويات ولغة الحوار؛ ناهيك عن الحاجة والضرورة لحماية الوحدة الوطنية والالتفاف حولها.
لكن مفردات خطابها شيء وممارستها على الأرض شيء آخر. تماماً على النقيض. في العراق المذبوح، لا أثر سوى للعنف والنزف. المصالحة لا تزال في خبر كان. وكذا الحال في لبنان. حتى أزمة «نهر البارد» الخطيرة لم تكن كافية لكسر جليد أزمته السياسية. ولا حتى لحمل الأطراف على التواصل. ناهيك باللقاء.
أما الطامة الكبرى ففي الوضع الفلسطيني الذي يبدو كالمتواطئ على نفسه. العدو الإسرائيلي يفتك به من الجو والإخوة الألدّاء يسحقون بعضهم في شوارع غزة. حالة من الاستباحة المنفلتة يتداخل فيها الاحتلال الإسرائيلي مع الاحتلال المحلي. والأخطر أن هناك ما يشبه الاستسلام لهذه الحالة.
