هل هي إرهاصات إسرائيلية لتأليف وإخراج «أوسلو» جديد؟

العاقل من اتعظ بغيره: هذه هي الحكمة التي أثق أن القيادة السورية تدركها جيداً في سياق التعامل مع الإسرائيليين بحيث لا تسمح للتاريخ أن يعيد نفسه.

في الأخبار أن رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود أولمرت عرض على الرئيس السوري بشار الأسد مشروع «سلام» ثنائي تعرب فيه إسرائيل عن استعدادها لإعادة هضبة الجولان إلى سوريا، إنه عرض ينطوي على أعلى درجات التأثير الدرامي، ولكن عليك أن تنتقل بسرعة من العنوان الرئيسي المسطر بلون فاقع إلى العناوين الفرعية المكتوبة بحروف صغيرة لكي تستبين مدى قيمة العرض المطروح، فهناك شروط، وهذه الشروط هي:

أن تلغي سوريا علاقتها الاستراتيجية مع المقاومة اللبنانية المسلحة المتمثلة في «حزب الله»، وأن تدير ظهرها نهائياً للمقاومة الوطنية الفلسطينية خاصة «حماس»، وأن تلغي تحالفها مع إيران.

ولو شاءت القيادة الإسرائيلية توخي الدقة الإيجازية مع الإفصاح عن الذات لقالت إن المطلوب من سوريا هو أن تأتي إلى مائدة التفاوض وقد تجردت تماماً مما لديها حالياً من أوراق ضغط ذات قيمة عالية.

هكذا استدرجت إسرائيل ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى فخ أوسلو خلال عقد التسعينات لتنتهي المنظمة إلى قبض الريح. ومما لا شك فيه أن عرفات رحل عن الدنيا وفي نفسه شيء من حسرة أوسلو.

إسرائيل تريد الآن للتاريخ الأوسلوي أن يعيد نفسه بنسخة سورية، وحتى من حيث الشكل لم يتغير الأسلوب الإسرائيلي، فقد اقترحوا على القيادة السورية أن تكون العملية التفاوضية سرية، وكان ذلك نفس الاقتراح الذي عرضه شيمون بيريز على عرفات، وبعد أن وافق عرفات مبدئياً تولى أمر الترتيبات التفصيلية وزير خارجية السويد آنذاك ـ وهو يهودي، وعندما وصل عرفات إلى العاصمة السويدية للمرة الأولى وجد في انتظاره ـ بالإضافة إلى بيريز والمسؤولين الإسرائيليين ـ أبرز وأعتى قيادات المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة.

عند نهاية الجلسات السرية وقَّعت منظمة التحرير على صك أكدت فيه على نبذها نهج الكفاح المسلح إلى الأبد لتقوم لاحقاً تحت الضغط الإسرائيلي ـ الأميركي باحراق ميثاق المنظمة الذي كان ينص على اعتماد الكفاح المسلح كأسلوب أساسي ورئيسي لحركة النضال الفلسطيني.

الآن نشاهد محاولة استدراج سوريا. ونثق في أن القيادة السورية لن تدع التاريخ يعيد نفسه لأننا نثق أيضاً في أنها تدرك أنها لو تخلت عن حزب الله والمقاومة الفلسطينية المسلحة وإيران فإنها ستفقد كل ما لديها من قوة تفاوضية ـ وقد لا تحصل عند نهاية المطاف على الجولان إلا وفق قيود وضوابط إسرائيلية تلغي عملياً السيادة السورية على الهضبة وإن أبقت عليها شكلياً.

ثم ما هو الضمان، وقد تجردت سوريا من أسباب القوة ألا تعود إسرائيل إلى استعادة سيطرتها على الجولان بالكامل بذريعة من الذرائع؟

النتيجة النهائية لاتفاق أوسلو كما نراها بالعين المجردة ليست تصفية الاحتلال الإسرائيلي من على الأرض الفلسطينية وإنما هي تكريس هذا الاحتلال عن طريق التوسع الاستيطاني وبناء الجدار الفاصل.