سؤال يحيرني كثيرا، واعتقد انه كذلك بالنسبة للكثيرين، حتى وان لم يتبلور بشكل محدد وواضح في أذهان البعض.لماذا نحتفي و«نحتفل» بالهزائم وننسى أو نتجاهل أي نصر أو انجاز نحققه جماعيا أو في أي جزء من المنطقة العربية الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي؟
لماذا ندمن جلد الذات وتكريس الهزائم وكأنها قدرنا المحتوم ومسارنا الوحيد الذي لا يعرف الانكسار ولا يقبل أن يتخلله أي نصر مهما كان نوعه أو حجمه، وكأننا جنس آخر أو نوع مختلف عن باقي الشعوب والأمم؟
ليس في تاريخ العالم، البعيد أو القريب، شعب أو أمة لم تعرف الهزيمة وتتذوق الانتصار. وحتى أقوى الدول في عالمنا المعاصر، الولايات المتحدة الأميركية التي خرجت منتصرة في حربين عالميتين، تجرعت الهزيمة على أيدي الشعب الفيتنامي بعد مقاومة استمرت أكثر من ثلاثة عشر عاما، وها هي تواجه الآن هزيمة مماثلة في العراق، رغم الانقسامات والاختراقات التي ما زالت تقيد حركة العراقيين وتحد من فاعلية مقاومتهم وتصديهم للاحتلال، ومع ذلك لا نجد في أميركا من يحتفل بذكرى هزيمتها في فيتنام ولا من يطالب بتخليد ذكرى هزيمتها في العراق! بل إنهم، على العكس من ذلك، يبحثون عن أي نصر، ولو كان وهميا مثل قتل شخص هنا أو اعتقال آخر هناك، ليحتفوا به ويضخموه سياسيا وإعلاميا، ويتناسون كليا أو يمرون مرورا عابرا كلما واجهتهم ذكرى هزيمة أو انكسار.
أما العرب فقد تحول جُل إعلامهم ومعظم كتّابهم إلى ندّابات ونائحات في كل مناسبة، ومن غير مناسبة أحيانا، كما حدث مؤخرا في ذكرى »حرب الأيام الستة» عام 1967، وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة منذ أربعين عاما!
من المؤكد أن النقد الذاتي واستخلاص الدروس والعبر من التجارب والأحداث التاريخية الكبرى أمر مشروع، بل وضروري لكشف الأخطاء وتلافي تكرارها. وقد حدثت أخطاء كبيرة أدت إلى هزيمة العرب عسكريا عام 67، لكنهم أصروا على المقاومة والصمود واستعادوا سريعا زمام المبادرة السياسية. أولا، من خلال الرفض الجماهيري العفوي والكاسح لقرار التنحي.
والذي لم يقتصر على مصر وحدها وإنما امتد عبر الوجود العربي من أقصاه إلى أقصاه، وفي وقت لم يكن التواصل الإعلامي قويا ولا البث الفضائي موجودا. وثانيا، في الموقف الرسمي العربي الموحد الذي تجلى في قمة الخرطوم، حيث أجمع القادة العرب على مواجهة العدوان وعلى لسان العاهل السعودي الراحل الملك فيصل، رغم الفتور الذي كان يشوب العلاقات المصرية السعودية آنذاك.
ومن ثم بدأت حرب الاستنزاف وبناء حائط الصواريخ والإعداد المكثف لرد الهزيمة العسكرية، وتحقق ذلك فعلا في «حرب الأيام الأربعة» بين السادس والعاشر من أكتوبر 1973، وبتحقيق الانتصار عسكريا في حرب أكتوبر، تكون هزيمة يونيو قد انتهت موضوعيا وأقفل ملفها من الناحية العسكرية، أما لماذا توحد العرب بعد هزيمة 67 واختلفوا عقب نصر 73، فتلك مسألة أخرى.
فلماذا نتذكر الهزيمة وننسى الانتصار؟ بل لماذا نعمم الهزيمة بينما نسعى لنكران الانتصار أو تحجيمه لمجرد انتصار محلي أو فئوي؟!
لقد هزم الإسرائيليون مرتين في لبنان، وحققت المقاومة العراقية انجازات كبيرة يعترف بها الأميركيون أنفسهم صراحة وعلنا، كما انتصر أطفال الحجارة في فلسطين على أعتى قوة عسكرية في المنطقة وأكثرها همجية. لكن البعض بيننا ينسب كل ذلك إلى أطراف أجنبية، ولا يرى فيه غير حرب طائفية بالوكالة أو إرهاب مستورد أو انتحار عبثي للأطفال، وكأن الحرب مجرد لعبة للتسلية أو أن النصر يمكن تحقيقه دون تضحية وبلا ثمن!
لقد تكبد البريطانيون خسائر مادية وبشرية فادحة في الحرب العالمية الثانية، واحتلت العاصمة الفرنسية باريس، وخسر الروس وحدهم مليوني قتيل في تلك الحرب، لكن الجميع كانوا فخورين بما قدموه من تضحيات باعتبارها ثمنا ضروريا كان لا بد من دفعه لتحقيق النصر في النهاية.
فكيف نفترض أن يكون العرب استثناء؟ وبأي منطق نطلب النصر دون دفع الثمن وتقديم التضحيات؟
بل، لماذا نحصر النصر والهزيمة في المجال العسكري، بينما نرى انتصارات وانجازات عربية عديدة في ميادين أخرى، اقتصادية وسياسية وغيرها، رغم حجم التحديات وتعدد الجبهات؟
وهنا نعود إلى السؤال الأول.. هل نحن مجبولون على حب الهزيمة وتمجيدها أم أننا نكره النصر ونمقت المنتصرين؟
الإجابة، على ما يبدو، تتجاوز حدود السياسة ومنطقها المعهود، لتدخل في نطاق آخر يحتاج إلى محللين نفسيين وخبراء اجتماعيين، لتشخيص هذه الحالة المرضية وكشف أسبابها، على المستويين الفردي والجماعي، لعلنا نخرج من شرنقة الانهزام الذاتي التي تلبسناها طوعا وفرضناها على أنفسنا.. قبل أن يفرضها علينا الآخرون.