استكمالا للحديث السابق فإننا نقول إن الليبرالية في الخليج هي حديثة التكوين كتوجهات سياسية واقتصادية وفكرية، رغم أن بعضا من الممارسات والتوجهات الاجتماعية قد تشكلت في المنطقة مع بدايات عمليات التحديث الإداري والسياسي والتي جاءت على المنطقة بعيد الحرب العالمية الثانية.
من ناحية أخرى فإنه من الصعب القول إن جل من يتبنون الآن الأطروحات الليبرالية في منطقة الخليج، في وضعهم المعاصر، قد جاءوا في الأصل من النشطاء السياسيين والعاملين ضمن التنظيمات السياسية ذات الانتماءات اليسارية واليسارية الطفولية أو المعتدلة أو الجماعات القومية، أو أنهم كانوا في الأصل منضوين تحت إحدى التنظيمات الإسلامية.
فالليبرالية قد تمثلت قبل ذلك وبشكل واسع، دون أن تعبر عن نفسها في تيار سياسي، في رجالات القطاع التجاري التقليدي والتي سمحت لهم ظروف المهنة والاحتكاك بمراكز الحداثة الشرقية، في القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد والهند وطهران، تبني وفي وقت مبكر من القرن العشرين قضايا التحديث الإداري والاجتماعي والسياسي، أو أن بعضهم كان ضمن أولئك الذين اعتمدت عليهم السلطات المحلية في إدارة المؤسسات الإدارية حديثة التشكل.
وقد تمثلت ليبراليتهم في موقفهم القابل والداعم لتعليم المرأة وعملها وفي تبنيهم لقضايا التحديث الإداري وإلى حد ما السياسي. إلا أن الفئة الجديدة العريضة والداخلة في حسبة الجماعة الليبرالية قد تبدو أنها أقرب لها من حيث الممارسة الاجتماعية أكثر منها في الممارسة السياسية. بل إن حالة الفرز والاصطفافات المذهبية التي مرت بها المنطقة مؤخرا بفعل الحالة العراقية واللبنانية لم توحد من الليبرالية والليبراليين سياسيا أو أن تقاربهم اجتماعيا بقدر ما دفعت نحو قدر من التخندق في صفوفهم على أسس في جلها أثنية.
بمعنى آخر إن للعوامل الأثنية والدينية فعلها في حجب أو تلكؤ بروز الطبقة الوسطي الجديدة في إطارها الثقافي والمعرفي والفكري، أي أن تكون لها ثقافتها التي تتجاوز بذلك انتماءات أفرادها الأثنية والدينية، وأن توحدها مبادئ وقيم فكرية وثقافية مشتركة. وكمحصلة لذلك برزت هنا ظاهرة ما قد يسمى «بالليبراليات المُأثننة»، أي أن يكون هناك الليبرالي القبلي مقابل الليبرالي الحضري أو الليبرالي الشيعي مقابل الليبرالي السني أو الليبرالي العربي المسلم مقابل الليبرالي العربي المسيحي، والليبرالي اليساري مقابل الليبرالي المحافظ أو اليميني.
وتمثل هذه أشكال من تزاوج الأفكار والقيم الحداثية مع الأخرى ذات المرجعيات الذاتية والتقليدية؛ الما قبل حداثية والتي تُشكل في الغالب الذات المركبة ذات النوازع والتوجهات المتشابكة والمستنهِضة بالقبيلة والطائفة والجماعة مقابل الأخرى الحداثية أو الما بعد الحداثية، فكل هؤلاء قد يشتركون في حقيقة قبولهم باقتصاديات السوق سواء أكان ذلك في شكلها الأوروبي الاشتراكي أو في شكلها الأميركي المحافظ، إلا أنها تختلف من حيث قبولها للآخرين الحاملين لذات الفكر من الجماعات الدينية أو العرقية الأخرى، أو في مدى قبولها بالمختلف معها سياسيا من التيارات السياسية الأخرى الإسلامية منها والمعلمنة: اليسارية والقومية. وتبقى المحددات الذاتية؛ المذهبية والعرقية والقبلية ذات فاعلية فائقة في خلق إصطفافاتها السياسية والاجتماعية أو تأويلها لموقف الآخر المختلف.
بمعنى آخر إن النوازع والمكونات الما قبل حداثية مازالت فاعلة في تشكيل ما قد يسمى بالليبرالية الخليجية أكثر منها معطياتها ومكوناتها المعرفية والثقافية، ولربما يفشل موقعها الاقتصادي أو قدراتها المالية ومدى وحجم تعرضها لمكونات ومركبات الحداثة الرقمية في أن يقاربها من تلك الاطروحات الليبرالية المتجاوزة لحالة الاختلاف مع الآخر لأسبابه الذاتية: الأثنية بكل أشكالها.
وباعتقادي فإن الليبرالية الخليجية لا تعدو أن تكون تجمعات أو بالأحرى جماعات هلامية تفتقر أحيانا لقدر كبير من الاتفاق القيمي ولربما العمل التنظيمي.أي أنه من الصعب الحديث عن ليبرالية خليجية كما هو الحديث عن ليبرالية أوروبية وذلك في إطار اعتبار الأخيرة منها حركة تكاد أن تعم المجتمع بأسره، بمعنى أن الفكر والثقافة الليبرالية هما الإطار الجامع المانع لكل التيارات الفكرية والأيديولوجية الأوروبية وإن اختلفت أطروحاتها.
في حين أنها في الحالة العربية أقرب إلى حالة الجيوب الاجتماعية والسياسية وإن كانت تبدو على المستوى الاقتصادي من حيث تبني نظام السوق أعلى وأكثر وضوحا منها على المستوى السياسي ولربما الاجتماعي. وهي في ذلك تمثل موزييكا اجتماعيا ولربما سياسيا وثقافيا، كما أنها من التنوع بحيث لا تجمعها أطر تنظيمية أو فكرية وربما أحيانا مصالح اقتصادية.
وهي أقرب إلى حالة الكنتونات الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية وأحيانا المذهبية المنعزلة عن بعضها البعض. وتعمق الأصول أو الجذور الاجتماعية والاقتصادية ولربما هي كذلك الأصول الإثنية من الواقع المتشرذم للجماعات الليبرالية. ورغم كثرة الحديث عنها في الفترة الأخيرة إلا أنها، أي الليبرالية، لا تبدو متسقة المعنى عند بعض معتنقيها أو لنقل متبنيها، كما أن كثرة الحديث عنها في المنطقة العربية قد تزامنت مع صعود خطاب وممارسات الجماعات الإسلامية المتطرفة.
وبذلك فإننا نقارب بعض الحالات الأوروبية التي بات تصاعد الحديث فيها عن الليبرالية مع كل صعود شعبوي للحركات العنصرية والنازية والشمولية. وهي في عمومها تعني حق أفراد المجتمع بالمشاركة في اتخاذ القرار من جانب، واحترام المجال الخاص الذي يتمتع فيه الأفراد بحرية تامة دون تدخل من السلطات أو الجماعات أو الفئات أو التضامنيات والتعاضديات من جانب آخر. ولنا في مقال آخر معالجة أخرى لحال الليبرالية الخليجية.
كاتب بحريني