إن الحرب التي أسقطت النظام العراقي ليست الأخيرة فهذا أمر مؤكد لكن ما تختلف فيه الاجتهادات هو تحديد الجبهة التالية في السلسلة التي لم تكد تتوقف منذ الحرب العراقية الإيرانية، والتغيرات التي أحدثها زوال النظام البعثي في العراق وما ترتب عليها جعلت عدة أطراف في مواجهة المشروع الأميركي بدرجات متفاوتة، فهناك مواجهة أميركية إيرانية تتوالى فصولها منذرة بالتحول لصراع عسكري دموي في أي لحظة وضغوط متصاعدة ومواجهة غير مباشرة تحكم العلاقات الأميركية السورية، لكن الأرجح أن الحرب القادمة ستكون أميركية تركية وربما تنشب قريبا جدا!

المنطق والمقاصد

من العبارات العبقرية التي لخص بها مؤرخ الفلسفة المصري الراحل الدكتور يوسف كرم بعضا من خلاصة خبرته في التأريخ للفلسفة اليونانية أن «منطق المذهب أقوى من مقاصد صاحب المذهب»، ومعنى العبارة أن المنطق الداخلي لتطور الأحداث - أي أحداث - يتحكم فيها أكثر مما تتحكم فيها مقاصد أصحابها.

وبالتالي فإن بعض النتائج التي تترتب «حتما» على فعل ما ويكون من يقدم على هذا الفعل غير راغب فيها تحدث مهما حاول منعها، ومن النتائج التي تترتب حتما على زوال النظام العراقي البعثي أن يجد الأميركيون أنفسهم في مواجهة النخبة العسكرية التركية، حتى لو تجاهل الأميركيون ذلك أو نجحوا - إلى حين - في تأجيل الصدام!

وفي الحقيقة فقد كنت مشغولا بهذا الاحتمال حتى قبل انطلاق المدافع فنشرت لي «البيان» مقالا عنوانه «من المسكوت عنه في الملف العراقي» (15 ـ 2 ـ 2003) وفيه استشرفت هذا الاحتمال وقبل أن ينتهي فبراير بدأت النذر تتوالى كأنها جبل جليد عائم لم تكن تبدو منه إلا قمته.

والقلق التركي المتصاعد له جذوره في التاريخ والجغرافيا، فالأكراد يشكلون 12% من سكانها ويعيشون على 30% من أراضيها، وانطلاقا من هذه الحقيقة ولأول مرة منذ بدأ الخلاف الغربي على الملف العراقي أعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف (الجمعة 28 فبراير 2003) أن روسيا «ستستخدم حق الفيتو في الأمم المتحدة للحفاظ على الاستقرار في العالم إذا كان ذلك ضروريا»، محذرا من أن في حال الحرب «قد ينجم عن ذلك عواقب خطيرة، ليس فقط على المستوى الإقليمي بل أيضاً على المستوى العالمي».

وكان النقاش الأميركي التركي حول قبول تركيا استخدام أراضيها في الحرب كاشفا عن حجم المشكلة فرغم التحالف تشددت تركيا وطلبت منحها حق الوجود العسكري في شمال العراق كشرط ثم طورت موقفها لتشترط أن يكون عدد الجنود الأتراك الذين يدخلون شمال العراق يفوق بمرتين عدد الجنود الأميركيين في شمال العراق ويعكس موقف «الإملاء» الواضح من جانب تركيا عمق مخاوفها. ويشكل شمال العراق منطقة حساسة للغاية لتركيا وكانت توجد قواتها فيها لسنوات لكن المخاوف تطورت حتى وصلت لحد أن تهدد أنقرة بمواجهة عسكرية مع واشنطن والأكراد.

وقد كشف مسؤول تركي آنذاك أنه: «إذا تم التحرك لإقامة دولة كردية شمال العراق فإن تركيا ستقف وجها لوجه ضد الولايات المتحدة والأكراد، وأكد المسؤول التركي أن أنقرة لن تسمح مطلقا وتحت أي ظرف بإقامة دولة كردية، وأنها مستعدة للدخول في حرب ملحة إذا استدعى الأمر ذلك.

وقال المسؤول التركي إن أنقرة بعثت مؤخرا رسالة جدية للولايات المتحدة مفادها أنه بدون القوات التركية فإن منطقة شمال العراق ستتحول إلى فلسطين أخرى». ولا شك في أن تشبيه الوضع الذي يمكن أن يترتب على قيام الدولة الكردية بالوضع في فلسطين تشبيه موحٍ ولا يحتاج إلى تعليق. من ناحية ثانية، حذر آنذاك الزعيم الكردي البارزاني من أن الأكراد سيدفنون الأتراك في شمال العراق!

العاصفة المعدنية

وقد عدت للموضوع مرة أخرى على صفحات «البيان» في مقالي: «حرب أميركا القادمة: العاصفة المعدنية»! (البيان 15 ـ 4 ـ 2005) إذ كانت تركيا على موعد مع كتاب آثار ضجة كبيرة داخلها وخارجها هو «العاصفة المعدنية: يوم دكت الطائرات الأميركية اسطنبول وأنقرة» وهو كتاب يتوقع حربا أميركية تركية في مايو 2007 وتنبع أهميته أولا من أنه حقق مبيعات قياسية في تركيا (150 ألف نسخة في عام صدوره) .

وثانيا من أن أحد كاتبيه خبير عسكري، فضلا عن أنه كان مؤشرا لتنامي مشاعر العداء للأميركيين في تركيا. السيناريو الذي يرسمه الكتاب أن يؤدي وجود عسكري تركي في شمال العراق لـ «حماية» الأقلية التركمانية لقيام الطيران الأميركي بقصف اسطنبول وأنقرة بلا هوادة وتتحول تركيا كلها إلى لهيب ونيران وتلجأ تركيا التي باغتها الهجوم الأميركي إلى الاتحاد الأوروبي وروسيا لطلب المساعدة.

وادي الذئاب

وفي 2006 كانت المحطة التالية في مسار الشحن الإعلامي متمثلة في فيلم «وادي الذئاب» وقد حقق هو الآخر شعبية هائلة (5,1 مليون مشاهد في الأسبوع الأول) وتدور أحداثه في شمال العراق وكانت ميزانية الفيلم الأكبر في تاريخ السينما التركية (2,10 ملايين دولار وحقق أرباحا تقدر بـ 9, 24 مليونا ووصل تأثيره حد إصدار السفارة الأميركية تحذيرا لرعاياها في تركيا من الذهاب للفيلم أو الاقتراب من دور السينما وكان العديد من المسؤولين الأتراك وفي مقدمهم رئيس الوزراء أردوغان وزوجته وصفوا الفيلم بأنه «رائع ويعكس الحقيقة كاملة».

وما التصعيد الأخير التركي الكردي الأخير سوى مؤشر على درجة خطورة الوضع فمقاتلو حزب العمال مجرد «تكئة» للموقف التركي فرغم خطورة وحساسية أن يتدخلوا بشكل مباشر في القرار العراقي فإنهم يرفضون الفيدرالية كخيار سياسي عراقي ويعرفون أنه سينمي شعورا بالهوية القومية الكردية يهدد مستقبل تركيا، ويعرفون في الوقت نفسه أن الشيعة والأكراد مصرون عليها كضمان لعدم عودة الاستبداد، وبالتالي لا مفر من عمل عسكري تركي أيا كانت الحجج المعلنة.

والأرجح أن أميركا ستسير في مشروعها لنهاية الشوط ليس فقط لأن البديل فوضى عارمة قد تكون بخطورة صراع إقليمي كبير ولا لأنه تكلف ما يقارب النصف تريليون دولار حتى الآن بل لأنها - وكما يبدو من موقفها في مشكلة إقليم كوسوفو - تعتبر نفسها في مواجهة التطرف القومي والديني على السواء وتريد بناء «شرق أوسط» خال منهما معا.

والنخبة العسكرية التركية تجد صعوبة في التكيف مع الموقف الأميركي الجديد، وبعض مواقفها ربما يكون هروبا إلى الأمام في مواجهة مد إسلامي كبير في الداخل قد تساعدها على لجمه حرب تؤجج الشعور القومي وتبرر بعض الإجراءات الاستثنائية.لحرب على الأرجح مؤجلة لا أكثر!

كاتب مصري