رحم الله المتنبي والمعري والرصافي والجواهري وحافظ إبراهيم وشوقي وغيرهم من الشعراء الكبار الذين كنا نقرأ وندرس شعرهم ونحن في المدارس في مراحل التعليم العام. فقد كان شعراً يحتوي على الفكرة والموسيقى والصور الجمالية، أما (الشعر) أيامنا هذه فأغلبه ليس شعراً .
وإنما هو نظم يفتقر إلى مقومات الشعر الحقيقية سواء أكان نبطياً أم شعراً ويسبق إطلالتهم نشاط إعلاني في وسائل الإعلام وتحضر الحشود الشبابية لتسمع كلاماً لا طعم ولا لون ولا رائحة فيه يسمى شعراً. والأغرب ليس في المستشعر وشعره الحلمنتيشي وإنما في سطحية هذا الجمهور المغيب والمسطح الثقافة الذي لا تجده في الندوات والمحاضرات والأمسيات الشعرية الجادة والجيدة، بل يحضر وينقل مع هذا العبث الشعري.
جلست مرة أمام التلفاز في أمسية لعدد من هؤلاء وهم يقرأون كلاماً من الورق أمامهم يقولون عنه شعراً، معظمه في الغزل ويعج المكان بأعداد كبيرة معظمهم من المراهقين والمراهقات جاءوا واحتشدوا ليسمعوا هذا الكلام الفارغ من الفكرة والموسيقى والصور الجميلة، وتذكرت أيامنا عندما كنا نقرأ ونسمع ونحفظ شعر حافظ إبراهيم وايليا أبو ماضي والجواهري وغيرهم، وعلى الرغم من ان المقارنة لا تجوز بين شعر أولئك العمالقة الذين رحلوا عن الدنيا وبقي شعرهم خالداً وبين هذا العبث الذي يسمى شعراً ولا يستطيع أحد من الذين يحضرون صراخهم في مناسبات ويدونها حفظ بيت من ذلك الذي يسمى شعراً.
إن هذا التخريب في الشعر أدى إلى تخريب الذوق العام ومما يؤسف له فقد دخل مناهجنا الدراسية، ويقرر على أبنائنا في المدارس، وهل نسأل بعد ذلك عن سر ضعف المستوى الثقافي لدى طلبتنا! فهذا الذي يجري في الشعر ينسحب على القضايا الأخرى في كتبنا ومناهجنا وحشو عقول الناشئة بثقافة جاهلة مسطحة ورديئة. هل تحتاج إلى أمثلة وبرهان على ذلك والجميع يسمعون الشعر الرديء والأغاني الهابطة كلاماً مصفوفاً بلا معنى أو مغزى أو موسيقى.
نحيل القارئ الكريم إلى قراءة هذا العبث في الصحف وسماعه في التلفاز ليل نهار. أما نحن هنا فلن ننقل نماذج من ذلك الذي يسمى شعراً أو أغنيات لكن سنحاول تأليف بعض الكلام المماثل لما يقولون وعلى الرغم من رداءته فهو أفضل من ذلك (الشعر المعاصر)!
سريت بليل طويل
راكب جملاً نحيل
وحيداً بدون دليل
أسير بين النخيل
بعيداً عن القال والقيل
مع حبيب جميل
أو شعر حديث يقول:
طلعت للمريخ مررت بالقمر
لا زرع هناك ولا نهر
هربت من أرض البشر
في رحلة كلها خطر
وإذا بحبيبتي سمر
نزلت عليّ كالمطر
وأحياناً تسمع شعراً يمتلئ كلمات جافة نابية لا تمت إلى الشاعرية بصلة فيمكن أن تجد بين سطورها كلمات مثل: السكين والرصاص والصخر والجرابيع. إن هذه الصورة الكالحة لا تشمل طبعاً شعر الشعراء الجادين والجيدين وهم قلة في عصرنا في بلادنا العربية.
إن إنساننا المعاصر يتعرض لهجمة جاهلة شرسة جاءتنا كالسونامي تكتسح كل جيد وجميل، وتفرض نفسها على ذوقنا وعقولنا رضينا أم أبينا ولا نملك رفضها أو وقف امتداد خطرها لكن مطلوب من العقلاء والمثقفين الحقيقيين البحث في حقيقة الأزمة الثقافية المعاصرة، فما يجري للشعر يجري لغيره في التاريخ والسياسة والاجتماع والأدب فالسائد هو الثقافة الاستهلاكية وثقافة الجهل، إن جاز لنا تسميتها ثقافة، وسؤالنا ما العمل؟ وهل نستسلم لهذه الموجة العاتية التي اقتلعت كل جيد ومفيد، وأشاعت هذا النوع الردئ من (الثقافة).
وهل هي مؤامرة لها أبعاد لا نعرفها تستهدفنا عقلاً وإحساساً ووجوداً، أم سنتهم بأننا متخلفون نؤمن بنظرية المؤامرة وعلينا مغادرة هذا الواقع، انه واقع مأزوم يحتاج إلى علاج ولابد من الاجتهاد بشأنه.
وعندما يقرأ هؤلاء الدخلاء على الشعر هذا المقال ستثور ثائرتهم ويسارعون إلى هدر دم كاتب المقال لأنه تجرأ على نقد كلامهم الذي يسمى شعراً، ويلجأون إلى الهجوم للدفاع عن أنفسهم بأن كاتب المقال معني بالتاريخ ومتخصص فيه ولا شأن له بالشعر ونقده، ولنستبق الاحداث لافتراض رد الفعل وردنا عليه بان كاتب هذا المقال معنى بالتاريخ الحديث والمعاصر، والتاريخ كل ما حدث في الماضي بما في ذلك تاريخ الأدب. ثم انه احد الضحايا الذين كتب عليهم العيش في هذا الزمن ليقرأ ويسمع كمواطن هذا الكلام العبثي الذي يسمى شعراً والسؤال المهم هنا لماذا وصل حال الثقافة العربية إلى هذا المستوى؟ وما الذي جعل الشعر ينحدر إلى هذا الدرك؟
القاعدة العامة للنهضة تقول ان النهضة شاملة والتخلف شامل. ليس التراجع والتخلف في مجال دون غيره فالعصور التي شهدت إبداعات شعرية رائعة أبدعت في الوقت نفسه نهضة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولهذا عندما نتأمل واقعنا المعاصر نرى التراجع الخطير في مجال الثقافة وغيره.
المشكلة تكمن في أن اغلب الانتاج الذي يسمى ثقافة ردئ في وقتنا الحاضر فالرداءة في الثقافة واردة في كل زمان ومكان بيد ان المشكلة هنا أنها هي السائدة. وبعد ذلك كله نحن مدعوون إلى وقفة تأمل ونقد لواقعنا الثقافي، وعدم السكوت على هذا الوضع. الأزمة تكمن في تواري النقاد الجادين في عصرنا فلماذا السكوت على هذا العبث في الشعر؟!
سؤال استفزازي لكنه مهم وضروري هل هم يخشون أصحاب تسونامي الشعر العبثي، أم ان الحرية في النقد غير متوفرة، أم أننا نشكو شحا في وجود النقاد؟ وخوفنا ان تستهدف أقلام بعضهم أقلامنا، ولا تعالج الاشكالية الأساسية التي نطرحها هنا. ان تردي معظم الشعر المعاصر أيها السادة مؤشر على تراجع خطير في ثقافتنا فهل نحن مدركون لذلك؟
كاتب كويتي