اكتشف الإنسان منذ أزمنة سحيقة قدرته على الاختراع والاكتشاف، فاخترع واستكشف من القوانين والأجهزة والوسائل ما لا يمكن حصره ولا يزال مستمراً في هوايته وهو عادة ما يخترع أساليب حياتية تعينه على تمضية الحياة والوقت بأقل قدر من المتاعب والخسائر، باعتباره الكائن الأكثر جزعاً أمام الألم وأمام الخسائر المختلفة، ولأنه جزوع خائف هلع فهو في اختراع دائم واكتشاف لا ينتهي وسباق لا يتوقف بحثاً عن الأمان.

في حياته يخاف الإنسان من الفراغ، ومن الوحدة، ومن إحساسه بعدم التقدير وعدم الاهتمام بشخصه أو قدراته، إن أكثر من ينتابهم هذا الشعور هم الأشخاص الذين لا يعملون في وظائف معينة، أو المتقاعدون عن العمل أو كبار السن، ولقد لفت نظري أن معظم مدننا ومناطقنا وأسواقنا وحتى حدائقنا وأحيائنا الشعبية تكاد تخلو تماماً من كبار السن، وأتساءل أين ذهب هؤلاء؟ هل صممت المدن للشباب فقط؟

لمن يستطيع أن يقود السيارة أو يمشي بسرعة العصر؟ إذن ماذا يفعل الآباء والأمهات والجدات، ماذا يفعل الكبار في السن الذين لا يعرفون قيادة السيارة ولا حتى الدراجة، الذين لهم الحق في الخروج، في المشي، في زيارة الحديقة والسوق والبحر و..

في أغلب مناطقنا الحديثة جداً، صممت الأمكنة لتتماشى مع روح المدينة الحديثة، مدن الحداثة والعولمة الزجاج والموسيقى الصاخبة والمقاهي الأميركية ومطاعم الوجبات السريعة، هذا هو منطق الذهاب للمستقبل في مدن اليوم.. لكن هناك منطق الحقوق أيضاً، حقوق جميع الشرائح والفئات، فكما للصغار والشباب والأجانب كل الحق في التمتع بمميزات هذه المدن الحديثة وبكل هذه الطفرة فإن من حق الكبار والمتقاعدين والشواب أن تكون لهم أمكنتهم ولكن خارج ما يسمى بـ «استراحة الشواب» المعنى المخفف والأنيق لـ «دار العجزة».

حين أزور مدن الغرب، ميونيخ، جنيف، بروكسل، فيينا.. وغيرها، أجدها مدناً تجمع التاريخ والحداثة، تجمع الأمس واليوم بالمستقبل ومع ذلك فإن للكبار أمكنتهم وأساليبهم وكل ما ييسر لهم التمتع بمدينتهم، في القطار لهم المكان الأقرب والأول، في الباص، في الشارع، في الفندق، في الحديقة في السوق في المطعم.. الخ، هم مواطنون من الدرجة الأولى وليسوا تكملة عدد بانتظار خصمهم من سجلات الأحياء.

نحتاج قوانين في هذا الاتجاه.. نحتاج أمكنة كالنوادي وأماكن التجمعات في الأحياء والحدائق لهؤلاء الكبار، نحتاج أن تجهز الشوارع ليس بصور السيارات والمشاة فقط، ولكن لمستخدمي الدراجات والزلاجات وكبار السن أيضا، لماذا لا تتيح الأندية الرياضية يوماً لهؤلاء الكبار في كل منطقة، لماذا لا تمنحهم فرصة الذهاب إليها، لماذا لا تنشئ مراكز صحية لرياضات الكبار مثلاً؟.

نحن نخترع مدناً وأساليب حياة راقية، لكننا أحياناً ننسى هؤلاء وكأنهم باستطاعتهم أن يستخدموا المدينة مثل الشباب، ننسى أن لهم قدرات محدودة ورغبات معينة وأننا لابد أن نوفرها احتراماً لإنسانيتهم ولمواطنتهم.

ayya-222@hotmail.com