هل قدر غزة وأهلها، التعايش مع ثنائية العدوان الإسرائيلي المتواصل والاقتتال الأهلي المتجدد، على غير انقطاع؟ هل قدر الشعب الفلسطيني وقضيته، الدوران في هذه الدوامة القاتلة؛ من دون باب ضوء في الأفق؟ تجدد الاشتباكات بين «فتح» و«حماس» وسقوط المزيد من القتلى والجرحى من الطرفين، بعد العديد من الاتفاقيات المكسورة والهدن المنهارة؛ يحمل على طرح مثل هذه التساؤلات.
ما يشهده القطاع، خاصة في الآونة الأخيرة، يحمل على الاعتقاد بأن هذه الساحة باتت تبدو وكأنها محكوم عليها بأن تكون ميداناً لحربين متزامنتين: واحدة احتلالية وأخرى محلية. الأولى متوقعة ومفهومة، باعتبار ان المحتمل ليس لديه غير هذه البضاعة العدوانية. الغريب والمستهجن، بل ما يثير الدهشة وحتى النقمة، هو ان يتمادى المعتدى عليهم من المحتل ذاته، في نحر بعضهم البعض؛ وكأنهم في ذلك يقفون، عملياً إلى جانب العدو الذي يستهدفهم.
حرب داحس والغبراء الدائرة بين الفصيلين المتناحرين، معروفة خلفياتها. والخلافات بينهما، غير خفية، بل هي طبيعية ومشروعة. ففي السياسة لا مكان للتطابق لكن على الأقل هناك التقاء مصالح. وفي الحالة الفلسطينية مثل هذا التقاطع اجباري. فالعدو نفسه والكل مستهدف بالتساوي، في آخر المطاف. تجاوز هذه القاعدة الأساسية، رعونة. بل، في النهاية مشروع انتحاري.
بعد كل الوساطات والمحاولات والتوافقات، تتواصل المواجهات الدموية في غزة. وفي كل جولة تزداد درجة شراستها، آخر حصيلة، عدد من القتلى وعشرات الجرحى. احدهم جرى رميه حياً من الطابق 18، ليلقى حتفه فوراً. عنف يشي بعمق الفجوة بينهما وكالعادة رافق ذلك عمليات خطف ونصب حواجز وتبادل القذائف الصاروخية؛ فضلاً عن استخدام المتفجرات لتدمير المنازل.
ساحة حرب، وما يزيد من بشاعة هذه الحرب أنها تدور في ذات اللحظة التي تحوم فيها مروحيات العدو الإسرائيلي في سماء غزة لتختار أهدافها من البشر والحجر، على الطلب. أهل الدار منشغلون ببعضهم وقوات الاحتلال تمارس بهدوء، اصطياد أهدافها. واولمرت لا يترك فرصة من دون التأكيد على عزمه مواصلة هذه السياسة. وكأنه يعترف ان الفرصة ليست سانحة فحسب له بل هي أيضا مشجعة للامعان في ذبح الشعب الفلسطيني وخنقه، في عيشه ورزقه وأمنه؛ فضلا عن مواصلة حصاره ومطاردته أينما كان.
وتتوالى فصول هذا النزف المزدوج فيما تكتفي الفصائل الفلسطينية في القاهرة بتجديد لقاءاتها؛ من دون القدرة على التوصل إلى صيغة حد أدنى من التوافق الذي يكفل الالتزام بما يتم التوصل إليه من وقف لإطلاق النار، وهذا اضعف الإيمان.
فلا تعلن هدنة إلا ويحصل نقضها بعد ساعات قليلة، الهدنة التي تعيش عدة أيام تكون من الصنف الشاذ عن القاعدة.يقول البعض ان هناك جهات لا يروق لها التوافق بين القوى الفلسطينية؛ كما أنها لا تطيق النجاح لحكومة الوحدة الوطنية. هذه بديهة لا تحتمل الشك. لكن إذا كان ذلك معروفاً فلماذا يفسح لها المجال لتحقيق غاياتها الشريرة؟
