كنت كثيرا ما أسأل نفسي وأنا أشاهد كوارث بيئية مدمرة تعرضها لنا المحطات الفضائية، ماذا سنفعل نحن في دول مجلس التعاون فيما لو واجهتنا كارثة بيئية كمسؤولية وطنية للشعب؟ وزاد من يقيني أكثر عندما رأيت شعوب ومنظمات المجتمع المدني وهي فاعلة ونشطة في عملها التطوعي بشكل جدير يستحق الإعجاب، فهي الجزء المكمل لمواجهة الكارثة مع السلطات والأجهزة الرسمية، فهل نتوقف بشكل جاد وعملي بعد إعصار جونو؟.

والمتابعون للحدث لاحظوا مدى سرعة التحرك الرسمي على مستويات عليا وإبداء اهتمامهم الأخوي إزاء الجيران والأخوة، والتعاطف الإنساني والأخوي مع السكان وإظهار كل أشكال الدعم والتضامن والمسؤولية للتخفيف من معاناة المتضررين، واتخاذ الاحتياطات اللازمة على مستوى الطوارئ في كافة الجهات كالشرطة والقوات المسلحة والجهات المختصة بحالات الإغاثة والطوارئ في الدولة.

ولكن يبقى السؤال الأهم خليجياً كيف نربي المجتمع بذهنية وقيم جديدة بعد أن خلقنا جيلا مختلفا عن أجيال ما قبل الطفرة النفطية؟ كيف نوازن بين اللامبالاة كظاهرة مجتمعية والذعر داخل المجتمع المدني وهما ظاهرتان سلبيتان في تلك القطبية الثنائية، فكلاهما تنتجان وضعا سلبيا أثناء مواجهتنا للكوارث البيئية، في وقت ينبغي علينا خلق جسور متينة بين المجتمع والجهات الرسمية، لكي يتم انجاز المهمات بأفضل ما يكون.

هناك مسائل لا بد من مناقشتها، ففي فترة الثمانينات عرفت دول الخليج بقعة الزيت، وكيف تمادت السفن النفطية وغير النفطية في الإهمال في الاهتمام بإجراء السلامة، فأغرقت البقعة النفطية بحيرة الخليج بالذعر وكان طولها 80 كيلومترا فتركت تلك البقعة مؤثراتها على البيئة البحرية، فاكتشفت الدول النفطية الخليجية أن تلك البقعة المتحركة .

والتي تتلاعب بها الرياح من شاطئ إلى شاطئ كارثة ليست محلية وحسب بل وإقليمية تمس الثروة البحرية للمنطقة، واكتشفنا غياب الاستعداد الكافي للكوارث ومدى القصور والتمادي المتغطرس للمؤسسات العالمية التي لا يهمها بيئة المنطقة وإنما الاستعجال في نقل براميل النفط والعبور من ذلك المضيق، والذي من خلاله يمر خمس النفط العالمي.

ويعلمنا إعصار جونو النظر لتلك الكارثة بجدية وتربية الأجيال والمجتمع على التوعية الضرورية وبالجاهزية مثل جيش وطني مستعد لمواجهة الأخطار الخارجية. ما يلحظه المراقب منا أن الاتجاه العام عند الناس هو الاعتماد الكلي على المؤسسات الرسمية، بل ويتنصل الناس من مسؤولياتهم الجماعية عند الكوارث، وكأنما المسألة هي قضية رسمية وكل ما يجيدونه هو التذمر والهمس والاحتجاج على النواقص والسلبيات دون الإشارة إلى نواقصهم أيضاً، باعتبار أن الكوارث ظواهر عمياء لا تميز ما يواجهها.

وقد ازداد مؤخرا الحديث عن البيئة وحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني، دون فهم حقيقي لتلك المنظمات، إذ لا يفهم الناس من منظمات البيئة إلا التشجير والنظافة وبراميل القمامة، وكان الله غفوراً رحيماً دون مسك الخيط الرفيع والأعمق لمعنى البيئة وعلاقة الإنسان بها في كل جزيئات الحياة والمحيط، وكيف يتركها كإرث للأجيال القادمة، وهناك من السلوكيات الغائبة والوعي الناقص إزاء البيئة ابتداء من مناهج التربية والتعليم مرورا بالإعلام وانتهاء بدور منظمات المجتمع المدني.

والتي تركت العمل التطوعي محصورا في الهلال الأحمر فضاع الجيل الجديد بين فكين سلبيين، اللامبالاة المطلقة والانغماس في الاستهلاك المريض أو الاندفاع نحو التشدد الديني والإرهاب، اعتقادا من الشباب أن ذلك المخرج الوحيد وطريق الخلاص لإنقاذ حضارتنا وحياتنا ومستقبلنا. ونتيجة لغياب الوعي البيئي كان المواطن العادي لا يهتم بالإنذارات والتحذيرات، بل وربما الجهات الرسمية لم تجعل من الاحتمالات والمعلومات أمرا ممكنا وجادا على الجميع التحوط له جيدا، بل ووجد المواطنون في بلدان الكارثة أنها ليست إلا عاصفة عابرة خاصة وان موجة التشدد الديني تساهم في غرس مفاهيم دينية خاطئة وتروج أفكارا ظلامية، بل ولا تجيد إلا خلق روح التواكل والاتكال، وكأنما ما يمكن حدوثه قضية نجتازها بقراءة الأدعية.

ونتذكر كيف تعاملت التيارات الدينية المتشددة مع إعصار كاترينا وغيره من أعاصير أصابت دول الكاريبي والولايات المتحدة، وكيف تحركت القوى الكارهة للغرب والولايات المتحدة ففسرت الظاهرة وبفرح بأنه غضب الهي. وتعود الاسطوانة نفسها ولكن هذه المرة تذكرنا بعذاب القبر والآخرة، بل ووجدت كعادتها الفرصة للتلاعب بعقول الناس بأن هذه الكارثة الطبيعية ليست إلا نتيجة ابتعاد الناس عن دينهم والتفكر في مصائرهم، إلى آخره من الأدعية والنصائح، التي لا يمكنها إنقاذنا من الكوارث الطبيعية طالما هي جزء من مركبات كوننا منذ أن وجد هذا الكون.

وقد كانت المنطقة عرضة لمثل هذه الكوارث ولكن الناس يجهلون حقائق التاريخ والجغرافيا والتضاريس لكونهم كانوا يعيشون بعيدا عنها دون يشعروا بفداحتها لغياب عناصر عدة يشاهدونها عن قرب طرقنا وحواجزنا الاسمنتية في المدن الحديثة المختلفة عن الصحراء والبعيدة عن الجبل وعن الأمواج العاتية القادمة من المحيط الهندي والمرتبط ببحر العرب وسواحل الخليج والجزيرة العربية.

كان بإمكان الإعصار والأمواج العاتية وسرعة الريح والأمطار الغزيرة أن تحدث أضرارا أوسع في المنشآت النفطية لولا الاستعداد المبكر من الجهات الرسمية، وكان بإمكان الإعصار أن يصبح مدمرا للثروة الوطنية في المطارات والمؤسسات الأخرى، لولا اتخاذ الاحتياطات اللازمة بسرعة حتى انجلاء الكارثة.

من تابع تحرك إعصار جونو (وتعود تسمية جونو من اللغة الديفيهية وهي لغة رسمية للمالديف وتعني الكيس المصنوع من أوراق النخيل) وقد عرفت تلك المناطق التي تعيش في المحيط الهندي كثيرا من الأعاصير والعواصف المدمرة وهي ما يقارب الثمانين نوعا، وقد اعتبر جونو إعصارا نادرا في منطقة بحر العرب، وقد ضربت العاصفة جزيرة مصير العمانية عام 1977 ولكنها لم تتطور إلى حد تحولها إلى اعصار جونو الحلزوني، الذي ينتقل من بين سواحل باكستان ومكران والشاطئ الإيراني ويحوم كالأخطبوط الأسطوري في المحيط الهندي.

ما ينبغي تعلمه هو ضرورة الارتباط من الناحية التكنولوجية بدول الجوار كالهند وتمتين العلاقة بتلك الأجهزة ومراكز البحوث التي ترصد المتغيرات المناخية، فهي تنبهنا بمدى تحرك الأعاصير الحلزونية المدارية وتنتقل بسرعة قياسية من منطقة إلى منطقة معلقة جرس الإنذار والتحذير استعدوا للكارثة! كما تكشف تلك الكوارث الطبيعية مدى استعداد بنيتنا التحتية إلى التكيف مع هذا النوع من الكوارث، بل وتعري هذه المصائب تلاعب المقاولين الفاسدين الذين تلاعبوا بالمواصفات الرسمية عند الإنشاء والتصميم.

علينا أن نعيد حساباتنا المجتمعية والبيئية ونتوقف مليا لمراجعة كل أمور البيئة وكوارثها المختلفة فقد يحدث خلل فني في المحطات النووية في بوشهر أو غيرها وتتكرم علينا الريح فتنقل لنا ذلك الإشعاع، فماذا علينا أن نفعل هل نقرأ الأدعية، التي ينشرها علينا المتشددون، خاصة وان الإشعاع النووي قادم من دولة إسلامية أم نحكم عقلنا ورشدنا ونفهم لماذا منحنا الله العقل والحكمة وكيف نوظفهما من اجل حياتنا قبل مماتنا.

كاتب بحريني