استكمالا للموضوع السابق عن مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لدعم التنمية العلمية العربية، تلك المبادرة التي أشادت بها جميع وسائل الإعلام العربية والأجنبية قال لي أحد الأخوة المقيمين في ألمانيا بأن الصحف الألمانية شاركت بالإشادة لكن هناك صحيفة كتبت تعليقاً ظريفاً طالبت فيه نائب رئيس الدولة، مناشدة الحكومات العربية بتحرير عقول شعوبها من القيود.
واستكمل الصديق قائلاً لكني أعتقد أن عقول الحكومات نفسها غير محررة وإلا أين الرؤساء العرب والحكومات العربية وأين جامعة الدول العربية من هذه المبادرة؟ ألا تستحق اهتماماً أكبر خاصة وهي الأولى من نوعها أم أن تعليقاتهم وتصريحاتهم اقتصرت على الكلام عن الصراعات والنزاعات التي أحبطت الشعوب العربية وتكاد تمزقها والظاهر أنه لا حل لها.
وكأي مواطن عربي أسعدته هذه المبادرة وبعثت في نفسه الأمل بغد أفضل، قد يغير الواقع العربي ويضعه على الطريق الصحيح والذي يجب أن يبدأ بالتسلح بالعلم والمعرفة اللذين يعدان أكبر قوة لمواجهة أي خطر أو عدوان. حاولت بشتى الوسائل الاستدلال عن مركز عربي مختص بالبحوث العلمية والمعرفية فلم أجده في أية دولة عربية .
وإن كانت دولة قريبة منا كالهند وأخرى مزروعة بالغصب بيننا ومفروضة علينا كإسرائيل والتي حجمها لا يتعدى حجم أصغر دولة عربية. لديها أكثر من مركز للبحوث في مجال العلوم والتكنولوجيا ومع الأسف لم أخرج من الدول العربية إلا بمراكز اجتماعية وثقافية أو ما يسمى بالمراكز العلمية التابعة لبعض الجامعات.
لذا جاءت المبادرة في وقتها وفي محلها، لأن العرب في هذا المجال كما في كثير من المجالات ما زالوا يعيشون خارج منظومة القرن الواحد والعشرين وهذه المبادرة قد تكون فرصة تبدأ فيها الشعوب العربية بالتحرك والتفاعل مع هذا القرن، قرن التقدم العلمي والمعرفي.
فلا تكفي الخطوات الإيجابية والتفاعل الحاصل في هذا المجال في دولة الإمارات وبعض الدول الخليجية، فالإمكانيات السكانية لهذه الدول ربما لا تساعدها على تبني نهضة علمية وثورة تكنولوجية عربية وحدها. وفي رأيي أن هذه المبادرة الكريمة بمجرد إعلانها قد وضعت حجر الأساس واللبنة الأولى للعمل والتعاون من أجل خدمة الإنسان العربي وتنميته فقوة العلم والمعرفة هي التي سوف تأخذنا إلى مصاف الدول الكبرى ومواجهتها.
لأن كثرة الجامعات ومجانية التعليم لوحدها وارتفاع عدد الخريجين الذي تتباهى به بعض الدول العربية لم يثرها أو يحسن من وضعها، بل أنه كشف في حقيقته عن وضع علمي معرفي عربي متردٍ مع ارتفاع نسبة البطالة بين الخريجين والجامعيين، الذين يضطرون إلى القبول بأية وظيفة لا علاقة لها بشهاداتهم، مع أن المواطن العربي ليس أقل كفاءة أو ذكاءً من المواطن الغربي الذي تؤهله الجامعات في بلده للحصول على أعلى المراكز وتمنح له شهادته الجامعية أو الأكاديمية الفرصة للعمل في أي مكان في العالم.
وترشحه الأكاديميات العلمية في وطنه لنيل أعلى الجوائز. أما عندنا حتى وإن حصل ورشح مواطن عربي لنيل جائزة علمية فغالباً ما يكون قد حصل تعليمه في الخارج أو أصبح مواطناً أجنبياً من أصل عربي. لذا على الدول العربية التكاتف والتعاون للاستفادة من هذه المبادرة، التي لم ولن تتكرر. فماذا ينقصهم لدعمها مادياً ومعنوياً، أم أنهم أدوا ما عليهم واطمأنوا وأوصلوا شعوبهم إلى الصدارة!
من المعروف أن مراكز البحوث العلمية والتقنية في العالم مدعومة من الحكومات، ويشارك في دعمها كذلك رجال الأعمال والاقتصاد وأصحاب الرؤى والاستراتيجيات. ولقد زرت عدداً من المراكز في أوروبا وآسيا خلال فترة عملي الحكومي وكان ابرزها زيارتي لمدينة كنساي للعلوم بمدينة اوساكا اليابانية وهي مدينة متكاملة في هذا المجال، حيث تضم مراكز تعمل في بحوث علمية متطورة ومختلفة كنت قد أشرت اليها في احدى المقالات في جريدة «البيان» تحت عنوان:
«اليابانيون كيف كانوا وأين أصبحوا» فتفوق اليابان في المجال العلمي والتكنولوجي هو الذي جعلها في المقدمة كذلك زرت مركز ومعرض اي بي ام في زيوريخ بسويسرا والذي تعرض فيه أحدث الابتكارات في مجال التقنية والصناعة التكنولوجية المفيدة للبشرية مستقبلا، وقد كتبت عن نماذج لبعض الأجهزة شاهدتها حينها، وبدأت تغزو أسواقنا هذه الأيام.
ومن خلال بحثي في مواقع مختلفة على صفحات الانترنت تبين لي أن عدد مراكز البحث العلمي والتقني في الهند مثلا لايقل عن أي بلد متقدم ولاشك أن هذا ما صنف الهند ضمن الدول الكبرى.
وفي اسرائيل تشير مواقع مختلفة إلى وجود أكثر من مركز للدراسات التقنية والبحوث العلمية والبيولوجية إضافة إلى ما يتم تسريبه عن تطويرها الدائم في المجال النووي وما خفي أعظم! لذا على الدول العربية أن تغتنم هذه الفرصة وتشارك كل دولة حسب امكانياتها مشاركة فعالة في هذه المبادرة، فبالعلم والمعرفة وبروح الابداع والتميز ننهض ونسترجع كرامتنا وإرادتنا، لأننا أضعنا كل شيء بالخضوع والخنوع والامتثال وتقليد ما لا يناسبنا، وفي أشجع مواقفنا حاولنا الحفاظ على ماء الوجه بالادانة والاستنكار!
واختتم الموضوع برسالة كان قد بعثها جورج الثاني ملك انجلترا إلى خليفة المسلمين في الاندلس هشام الثالث يقول فيها: سمعت عن الرقي العظيم الذي تتمتع به معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل، لذا ألتمس منكم إرسال بعثة برئاسة ابنة شقيقنا ومجموعة من بنات اشراف الانجليز لاقتباس العلم عندكم. والغريب أنه وقع في نهاية الرسالة: من خادمكم المطيع جورج ملك انجلترا.
فرد عليه خليفة المسلمين في الأندلس هشام الثالث: وافقت على طلبكم بعد أن استشرت من يعنيهم الأمر من أرباب الشأن، وسوف ننفق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين. بالعلم والمعرفة كان لنا شأن، وكان الجميع يتودد لنا للاقتباس والاستفادة، فهل نستطيع إعادة أمجادنا ومكانتنا؟ لم لا، قد تكون هذه المبادرة خطوة لتهيئة جيل قادر على تحدي الأقوياء ومواجهتهم، وقد يصبح نداً لهم.
كاتب إماراتي