مسؤول أوروبي يعلن في تقرير رسمي أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أقامت معتقلات سرية للتعذيب في بولندا ورومانيا.الإدارة الأميركية والحكومتان البولندية والرومانية جميعها تنفي.
السؤال المنطقي البسيط إذن هو: لماذا لا يجري تحقيق دولي للتوصل إلى الحقيقة؟
والإجابة البسيطة المباشرة هي: أن المنطق يتوقف عند طريق مسدود عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة.
يقول المقرر الخاص لما يطلق عليه «مجلس أوروبا» في تقريره المعلن: «هناك اليوم ما يكفي من العناصر التي تؤكد أن مراكز اعتقال سرية تحت إدارة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كانت موجودة بالفعل في أوروبا بين عام 2003 وعام 2005 وخصوصاً في بولندا ورومانيا».
ووفقاً لمحتويات التقرير فإن هذه المعتقلات السرية أنشئت بناء على موافقة كل من الرئيسين البولندي والروماني.
على الفور أصدرت كل من الحكومتين نفياً رسمياً.وذكرت إحداهما أن التقرير «لا يأتي بأي دليل» وأنه منسوب إلى «مصادر» غير محددة.لكن البيانين البولندي والروماني يتوقفان عند حد النفي. فبالرغم من خطورة الاتهامات فإن أياً من الحكومتين لم تقل أنها بصدد دعوى قضائية بحق المقرر الأوروبي.كذلك جاء موقف، الإدارة الأميركية، فليس هناك قرار أو وعد بإحالة المسؤولين في وكالة الاستخبارات الأميركية إلى التحقيق.
وفي سياق متصل يأتي تقرير المسؤول الأوروبي متزامنا مع بدء مجريات محكمة إيطالية لمحاكمة 26 عميلاً من وكالة الاستخبارات الأميركية نفسها (ومعهم عسكريون إيطاليون) في قضية اختطاف إمام مسجد عربي في إيطاليا عام 2003، وقعت العملية في أحد شوارع ميلانو عندما كان الامام «أبو عمر» في طريقه إلى المسجد حيث انقضت عليه المجموعة الاستخباراتية الأميركية واقتيد إلى قاعدة جوية أميركية في الشمال الإيطالي.. ومن هناك نقل على متن طائرة حربية توجهت به إلى الدولة العربية التي ينتمي لها ليكون في استقباله فريق أمني.
هذه هي المحاكمة الأولى من نوعها في العالم. لكن المتهمين الأميركيين يحاكمون غيابياً. فقد رفضت الحكومة الأميركية تسليمهم إلى القضاء الإيطالي. وهو بالطبع رفض ذو دلالة عظمى لأن السلطات الأميركية تعلم أكثر من غيرها أنهم ليسوا أبرياء.
هنا تصادفنا مفارقة:
فبينما ترفض الولايات المتحدة محاكمة عملائها الاستخباراتيين فإنها ترفض أيضا محاكمة المئات من الأجانب المحتجزين في معسكر غوانتنامو بشبهة ـ وليس تهمة ـ «الإرهاب» ولكن لسبب مختلف فهي إذ تعلم أن عملاءها متورطون تماماً في ما ينسب إليهم من اتهامات قانونية فإنها ليست متأكدة من أن إدانة سوف تحيق بنزلاء غوانتنامو إذا قدموا إلى محاكمة عادية. لذا فهي تحتفظ بهم محتجزين ومعزولين إلى أجل غير مسمى دون حتى توجيه اتهامات قانونية إلى أي منهم.
لكن المفارقة الأكبر تتمثل في أن الولايات المتحدة بينما ترفض أي محاكمة لعملائها الاستخباراتيين فإنها في الوقت نفسه تتبنى بقوة مشروع محكمة دولية بشأن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وتقديم رئيس ليبيريا السابق تشارلس تيلور إلى محكمة دولية ومحاكمة وزير وزعيم ميليشيا سودانيين.
وهناك مفارقة أخيرة: الولايات المتحدة ترفض التوقيع على معاهدة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية حتى لا تكون ملزمة قانوناً بتسليم عسكريين أو عملاء استخبارات أميركيين.ومع ذلك لا يمر يوم دون أن نسمع فيه مسؤولا أميركياً يحاضر العالم بشأن قدسية حقوق الإنسان.