سادت الحدود التركية ـ العراقية، مؤخراً حالة من التسخين والتعكير. انعكس ذلك بصورة توتر ملحوظ بين أنقرة وبغداد. وقد طلعت تعبيراته إلى العلن. وأخذت، في جانب منها، الطابع الرسمي. ما بدا أنه مناوشات حدودية، كانت تحصل في السابق، قد أخذ أبعاداً، تجاوزت إطاره الأمني العسكري.
وربما كان كذلك لأنه جاء كتحصيل حاصل لتراكمات وتفاعلات مأزومة، يعيشها الوضعان التركي والعراقي وتداخلاتهما. الأمر الذي يزيد من احتمال أن تكون التطورات الحدودية وما تبعها، بداية لنشوء معادلة جديدة في شمال العراق؛ بدخول تركيا على الخط.
في الأيام الأخيرة شهدت تلك المنطقة حشوداً عسكرية تركية متزايدة. في البداية أنكرت أنقرة الأمر. حاولت التقليل من شأنه. لكن التمويه لم يصمد. قصفت قواتها قرى الأراضي العراقية وأحدثت حرائق وأضرارا، وأشاعت حالة من الرعب. ثم عمدت إلى تعزيز القوات وإلى إقامة مناطق أمنية هناك.
الأمر الذي أوحى، أو حمل على عدم استبعاد قيام قواتها بعمليات توغل، في الجانب الآخر من الحدود. زعمت أنقرة أن ما حصل كان نوعاً من الرد والمطاردة لعناصر حزب العمال الكردي التركي، المتواجدة في المنطقة الحدودية العراقية.
لكن بغداد سارعت إلى الاحتجاج الرسمي. استدعت القائم بالأعمال التركي وسلمته مذكرة بهذا المعنى وطلبت نقلها إلى المسؤولين في أنقرة «بأسرع وقت». شرحت بغداد موقفها من القصف التركي؛ مع الإشارة إلى استعدادها «لتهدئة مخاوف تركيا». وحرصت في هذا الصدد على التنويه بأن بحث هذه الأمور لابد وأن يتم «بالحوار وعن طريق التعاون»؛ وبأن القصف من شأنه «تقويض الثقة» بين الجارين. كما عمدت إلى التذكير بأن العراق «يرفض وجود عناصر حزب العمال على أراضيه، ويعتبر ذلك أمراً غير شرعي».
أن يأخذ الرد العراقي هذا الإطار وعلناً، فذلك فيه ما يحمل على الاعتقاد بأن في الأمر أكثر من اعتراض أمني. خاصة وأن العملية التركية العسكرية تأتي على خلفية تراشق كردي ـ تركي، حول موضوع كركوك، المثقل بعوامل التفجير، والتخوف هنا في أن تتحول هذه المدينة العراقية إلى ساحة صراع اثني ـ إقليمي على حساب هويتها الأصلية.
يزيد من درجة الخطر أن الوضع التركي الداخلي، المأزوم، قد يُدفع أو يندفع، نحو التمادي في هذه الوجهة؛ تحت غطاء ملاحقة ومطاردة عناصر حزب العمال الكردي. خاصة وأن أنقرة هددت ولو بالتلميح بالتدخل إذا ما طرأ تحوّل على وضع كركوك؛ بحجة أن الجالية التركمانية تشكل جزءا من سكان المدينة، فالانتخابات النيابية التركية، على مسافة نيف وشهر. التوتر يرتفع منسوبه بين العسكر وأنصار العلمانية من جهة؛ وحكومة حزب العدالة والتنمية وقواعده من جهة ثانية، ووسط هذه الأجواء تتجه تركيا إلى استحقاقها الكبير، انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
قد لا تكون التطورات الأخيرة قد حدثت بدافع من هذه الاعتبارات والحسابات التركية فقط، لكن حصولها في هذه اللحظة الدقيقة، تركياً وعراقياً، يرشحها للتفاقم والانفلات، فالعراق فيه ما يكفيه وتركيا ليست بحاجة لإشعال حدودها مع العراق المشتعل والغرق بالتالي في أوحاله؛ كما غرق غيرها الأقوى منها. وإذا كان لها من دور فهو بالتأكيد ليس ما تقوم به على الحدود الآن.
