تعرضت سورية خلال السنوات الأربع الماضية، وبالتحديد منذ بدء التحضير على الأرض للغزو الأميركي للعراق، إلى حملة شديدة من الضغوط والاستفزازات والتهديدات والافتراءات، وكان على رأس هذه الحملة، كما هو معروف لجميع المراقبين، الإدارة الأميركية وإسرائيل اللتان سخرتا وسائل إعلام وأقلاماً وعملاء كثيرين لهذه الغاية، بعد أن رصدت إدارة بوش مبالغ كبيرة من الأموال لغرض دفع هذه الحملة التضليلية.
لقد زجوا بكل امكاناتهم في هذه الحملة، دون أن يحسبوا حساباً لمناعة سورية ضد محاولات كهذه، وقدرتها ليس على المواجهة فحسب وإنما ردّ المتربصين على نحورهم خائبين، وإجبارهم على إعادة النظر بمخططاتهم، وهذا ما حصل فعلاً عندما بدأت إدارة بوش تراجع حساباتها تجاه سورية، وتطلب الحوار معها حول شؤون المنطقة.
لقد اكتشف هؤلاء متأخرين مناعة سورية التي لم تكن يوماً على الهامش في كل ما يخص الشؤون العربية والإقليمية، وأيقنوا أنها كانت على مدى السبعة والثلاثين عاماً الماضية، تؤسس في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية والتقنية، وكانت تبني الإنسان أولاً الذي هو غاية الحياة ومنطلقها كما سبق أن أكد القائد الخالد حافظ الأسد، الذي صادفت أمس الذكرى السابعة لرحيله.
سورية، المعتدى عليها والمحتل جزء غال من أرضها، كانت على الدوام تضع في حسبانها كل الاحتمالات، وتعدّ لكل التطورات نظراً لمعرفتها الدقيقة بأساليب عدوها الإسرائيلي، وقدرة هذا العدو في التأثير على القرار الأميركي، وربما لهذه الأسباب لم تفاجأ بما تعرضت له من ضغوط وافتراءات، ولا سيما أنها كانت تدرك أن الغزو الأميركي للعراق هو بالنتيجة النهائية قرار إسرائيلي أكثر منه أميركياً، لذلك قاومت وانتصرت.
كما أن سورية أدركت في وقت مبكر أن الإدارة الأميركية المهزومة في العراق ستحاول التعويض في لبنان، ولكن خاب ظنها أيضاً وكان إخفاقها فيه مضاعفاً، خاصة خلال دفعها إسرائيل لتنفيذ عدوان تموز 2006 على لبنان، هذا العدوان الذي لم تتوقف نتائجه عند إلحاق الهزيمة بالجيش الإسرائيلي، بل وصلت كذلك إلى زعزعة الداخل الإسرائيلي أيضاً، علماً أن إدارة بوش كانت تنظر لهذا العدوان على أنه المخاض لولادة الشرق الأوسط الجديد من لبنان، بعد أن أخفقت محاولات إيلاده من العراق.
لقد اقتنعوا على ما يبدو، دون أن يعلنوا، أنه لا يمكن تجاوز سورية مهما بلغت الضغوط، وأنه لابد من العودة إليها، وقد فعلوا مكرهين.ومع ذلك فإن سورية، التي أعلت البنيان في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، ضاعفت خطاها على هذا الصعيد بتوجيه ومتابعة مستمرة من السيد الرئيس بشار الأسد الذي جددت سورية كلها ثقتها به وعاهدها وعاهدته على متابعة المشوار بخطا متسارعة.
