على مدى يومين خلال الأسبوع الماضي انعقدت في البحرين ندوة «الإعلام في عالم متغير بين رؤيتي الخليج والناتو». وقد انشغل الإعلام البحريني والخليجي بمجريات المؤتمر. ورغم كل الحديث الذي دار حول توجهات الناتو للتركيز على تغليب الجانب السياسي في نشاطه فإنه، كحلف عسكري، نجح تماما في استخدام الإعلام كمدفعية.

قبل أن يصل الناتو إعلاميا إلى المنطقة كان قد رتب لوضعه في الخليج بإعلانه عام 2004 وثيقة مبادرة إسطنبول للتعاون والتي نصت على أن يقدم الناتو «قيمة إضافية» في العمليات التي يقودها في محاربة الإرهاب واستئصال تدفق مواد أسلحة الدمار الشامل وتحسين قدرات الدول في مواجهة التحديات والتهديدات المشتركة بالتعاون مع الناتو. ولاحقا عزز هذه الاستراتيجية الجديدة بسلسلة من الاتفاقيات وخطط التعاون الأمنية والعسكرية في منطقة الخليج مع أطراف مختلفة.

وفي مؤتمره الصحفي في لندن منتصف مايو الماضي كشف مدير الإدارة السياسية في الحلف جيمي شيا أنه أجرى مع قيادة شركة رويال دوتش شيل البريطانية الهولندية المشتركة وشركة برتيش بتروليوم اللتين تحتلان الموقعين الثاني والثالث في السوق الغربية من حيث إنتاج المواد الكربوهيدراتية محادثات حول مشاريع اشتراك قوات التدخل السريع البحرية التابعة لحلف شمال الأطلسي «الناتو» في «مواجهة هجمات الإرهابيين أو خطف الرهائن أو عمليات القرصنة في الخليج وآسيا وأفريقيا».

وتعتبر هذه الخطوة عودة عن خصخصة مشاريع حراسة حقول ووسائل نقل النفط التي اعتمدتها شركات النفط في السنوات الأخيرة موظفة لذلك شركات الحماية الخاصة. لقد وصلوا في الفترة الأخيرة إلى قناعة بأنهم بحاجة إلى ما يتوفر لدى المؤسسات الاستخبارية الرسمية في بلدان حلف الأطلسي من معلومات أمنية وخبرات عملية في هذا الصدد. « إننا ننظر بجدية إلى استخدام قواتنا العسكرية البحرية في صالح شركات النفط» - قال جيمي شيا.

وفي موازاة ذلك الاتفاق أجرى الناتو مفاوضات مماثلة مع بلدان المنطقة. اتفق مع قطر على مشاريع حماية منشآت الغاز، كما عرض خدماته على السعودية. ويتوقع أن تكون نيجيريا من بين الدول التي ستشملها خدمات الناتو «ضد عمليات اختطاف العاملين في حقول النفط ». كما يعمل الناتو على مد نشاطه ليشمل بلدانا آسيوية حيث «تسود عمليات القرصنة على شواطئها».

نشط توجه الناتو عسكريا نحو الخليج على خلفية تصاعد تحضيرات الولايات المتحدة في خططها لتسديد ضربات جوية ضد المشاريع النووية في إيران مع بداية العام الحالي. ففي 21 يناير وصل إلى الرياض نائب الأمين العام للناتو ألكسندر مينوتو- ريتسو في زيارة رسمية استغرقت يومين لبحث هذا الموضوع.

وقال بأنهم في الناتو يعتبرون السعودية شريكا أساسيا ومن الضروري الوصول إلى توقيع اتفاق معها حول التعاون في مجال مكافحة الإرهاب و «حل المشكلة النووية الإيرانية». أحد أشكال التعاون التي اقترحها الناتو هي تعزيز وتدريب قوات«درع الجزيرة» الخليجية المشتركة المكونة حاليا من 7 آلاف جندي من الدول الست. وكانت هذه الدول قد بحثت في نوفمبر 2006 مسألة توسيع ورفع جاهزية هذه القوات.

اعتبرت إيران ذلك بمثابة التهديد. وكرد أجرت قوات حراس الثورة الإسلامية «باسداران» مناورات عسكرية استمرت 3 أيام في خرمشهر جنوب طهران قامت خلالها بتدريبات على إطلاق صواريخ «زلزال» و «فجر 5» بقطر تأثير يصل إلى 100 - 150 كلم، وهي التي طالت حيفا خلال الحرب الأخيرة على لبنان.

عدا جبهتي شركات النفط ودول المنطقة تحرك الناتو على جبهة ثالثة حيث سعت أميركا إلى تأمين مساعدة الناتو لها في خطط الضربات العسكرية الجوية للمواقع النووية الإيرانية. وفي مارس الماضي قال قائد سرب طائرات «أواكس» في الناتو أكسل توتلمان ما يفهم منه أن طائراته جاهزة لمساعدة القوات الأميركية منذ اللحظة الأولى لتوجيه الضربات.

لدى أي حصيف لا تستدعي الشكوك أبدا حقيقة أن جميع مشاركي اللعبة حول أزمة «السلاح النووي الإيراني» المتصاعدة ينظرون إليها على أنها مجرد جزء من صراع جيوسياسي أوسع. من وجهة نظر أميركا الحديث يدور عن الصراع من أجل السيطرة على موارد النفط في المنطقة اليوروآسيوية التي تقع في «البيضاوي الاستراتيجي» من أذربيجان مرورا بتركمينيا وكازخستان وحتى السعودية والعراق والكويت وبقية الخليج.

هذا هو بالذات المقطع الجغرافي الذي تتركز فيه معظم احتياطات العالم من النفط والغاز والذي تدور فيه رحى ما يسمى «بالحرب على الإرهاب» كعامل محفز في كيمياء الشرق الأوسط. وفي هذه اللعبة الجيوستراتيجية الكبرى يبدو الاتحاد الأوروبي خاسرا.

فإذا تمكن الأميركيون من فرض سيطرتهم النهائية على موارد الطاقة لن يجد الأوروبيون مناصا من السير في ركاب استراتيجية الولايات المتحدة تحت الحاجة إلى قسمة، ولو ضيزى، من الكعكة : « تحتاجون إلى النفط والغاز.. حسنا، نريد منكم كذا وكذا .. » - وهي العبارة التي صاغها على لسان الأميركيين دانييل غانسر، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة فاليه ورئيس رابطة دراسات ذروات النفط في سويسرا. ولا خيار لدول الناتو بين ما هو وهمي أو حقيقي في عناصر هذه الاستراتيجية.

وقد بين غانسر في كتابه« جيوش الناتو السرية : الإرهاب في أوروبا الغربية (NATO's secret Armies: Terrorism in Western Europe) أن الولايات المتحدة نظمت في أوروبا الغربية عمليات إرهابية على مدى خمسين عاما، نسبتها إلى أحزاب يسارية ويسارية متطرفة من أجل تشويه سمعة هذه الأحزاب في أعين الناخبين». هذه الاستراتيجية ذاتها تستخدم اليوم ضد «الإسلام» ومنطقة الشرق الأوسط لتبرير الحروب من أجل النفط.

وفي هذه اللعبة الكبرى نرى، مثلا، كيف استخدم الروس والصينيون بدورهم منظمة شنغهاي للتعاون كأداة لكي يبنوا في آسيا الوسطى حلفا على شاكلة الناتو ومناهض للناتو في ذات الوقت. والآن يضم هذا الحلف إلى جانب روسيا والصين كلا من كازاخستان، قيرقيزستان، أوزباكستان وطاجاكستان أيضا. ثم مضى الأمر إلى أن دعا الحلف إيران إلى صفوفه كمراقب. وهكذا نرى أن كل طرف اختار لنفسه طريقة لعبه في رقعة الشطرنج النفطية التي ترك لنا فيها دور البيدق وسط تعمية إعلامية.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com