في الساعة العاشرة من صباح اليوم الحادي عشر من يونيو في مثل هذا اليوم منذ أربعين عاما، وبعد ستة أيام فقط من بداية عدوان الأيام الستة في الخامس من يونيو عام 67، كان الرئيس جمال عبدالناصر يسلم الفريق محمد فوزي قرارا بتكليفه بإعادة بناء القوات المسلحة المصرية ووضع خطة تتلافى أخطاء الهزيمة وتحقق شروط النصر استعدادا للمعركة القادمة لتحرير الأرض واستعادة الكرامة،وذلك في أول قرار له بعد استجابته لقرار الشعب المصري والعربي بتكليفه بالعودة عن قراره بالاستقالة تحملا للمسؤولية السياسية عن الهزيمة العسكرية.

كان تكليف القائد الأعلى للقائد العام الجديد يتضمن السير نحو تحقيق الهدف الكبير عبر عدة مراحل تتوالى وفق أولوياتها وفور توفر إمكانياتها البشرية والعسكرية، المرحلة الأولى توفير ضمانات الصمود الدفاعي، والثانية توفير القدرة على الردع، والثالثة تسخين الجبهة بتحقيق الردع النشيط، والرابعة بشن حرب استنزاف للعدو تستمر بسخونتها على الجبهة حتى ساعة الصفر لمعركة التحرير الكبرى القادمة.

كان قرار عبد الناصر بالاستقالة موقفا شجاعا لمواجهة المسؤولية، وكان قراره بالعودة إعلانا واضحا بأن الشعب هو الأمر الوحيد للقائد السياسي، وفى مواجهة تحدي الهزيمة كانت استجابة القيادة للتحدي بقرار التصميم على رفض الاستسلام ومواصلة النضال والمقاومة حتى يتحقق النصر بالقتال وتتحرر الأرض ترجمة لمطلب الجماهير التي خرجت على امتداد مصر كلها ترفض الهزيمة رغم مخاطر الغارات الغادرة والظلام الدامس حاملة المشاعل باندفاعة تلقائية هادرة «هانحارب..هانحارب».

ولم تكد تمر أيام يونيو العصيبة والعظيمة وجاء الأول من يوليو حتى بدت الصورة في معركة «رأس العش» هى الترجمة الحقيقية للخطة العسكرية بالصمود، وذلك حينما استطاع عدد قليل من رجال جيش مصر الجديد التصدي لطابور إسرائيلي مدرع حاول التقدم إلى موقع رأس العش المصري وأجبروه على التراجع بعد أن اشتبكوا معه بأسلحتهم الخفيفة وألحقوا بآلياته ومدرعاته خسائر كبيرة في معركة صغيرة العدد والمعدات كبيرة المعاني والدلالات.

ولم تكد تمر ثلاثة شهور حتى كان تدمير وإغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» التي جاءت قبالة سواحل الإسكندرية في استعراض استفزازي للقوة مع الظن الواهم مع نشوة النصر الخاطف بعدم القدرة المصرية على المقاومة، فكانت المفاجأة الصاعقة بأن الذي تصدى لها وشقها إلى نصفين لتغرق في الأعماق بعشرات الجنود والضباط الصهاينة في دقائق،كانا زورقين صغيرين بأربعة جنود من رجال البحرية المصرية يحملان صاروخين من طراز «كومار» الروسية.

ليبدو لليائسين والمرجفين أن الجنود المصريين على الجبهات لم يغرقوا في الهزيمة مثل بعض الخواجات وتوابعهم من الأفنديات المصريين في الصالونات ووراء الميكروفونات وعلى الشاشات الذين استغرقوا في محاولاتهم الفاشلة لتكريس الشعور بالهزيمة وبث روح اليأس وإشاعة الشعور بالاستسلام و توجيه عرائض الاتهام للرجال المقاتلين الذين لم يتح لهم القتال تحت سماء مكشوفة بل استغرقوا فى الإصرار على الصمود والمقاومة والاقتدار في مواجهة العدو بشجاعة وكفاءة الجندي المصري خير أجناد الأرض.

إن واحدا من أبرز أيام يونيو قبيل المعركة كان اليوم الثاني الذي جمع فيه جمال عبد الناصر بوصفه القائد الأعلى جميع قيادات القوات المسلحة محذرا من أن احتمالات العدوان أصبحت 100% وأن المعلومات التي لديه تقول أن العدو سيبدأ العدوان بتوجيه ضربة جوية لجميع المطارات ـ في تكرار لما حدث عام في العدوان الثلاثي عام 56ـ وحدد لهم التوقيت المرجح أنه سيكون «من 48 إلى 72 ساعة لن يتأخر عنها أبدا»®.

موضحا أن تقدير الموقف السياسي الدولي لن يسمح لنا أن نكون البادئين بالحرب لأنه سيضع مصر في مواجهة الدول الغربية الكبرى بحجة أنها البادئة بشن الحرب، وهو ما لن تقدر مصر على تحمله، لذا طلب إليهم التركيز على اتخاذ الإجراءات الدفاعية لامتصاص الضربة الأولى لتقليل الخسائر قدر الإمكان، والإعداد للرد بهجوم مضاد ينزل أكبر الخسائر بالعدو قدر الإمكان، بعد أن تلقى من إجاباتهم ما يطمئنه على إمكانية تحقيق ذلك المطلب.

ولا ندرى إلى أي مدى كانت الفجوة أو الحساسية بين المؤسسة السياسية والعسكرية مسؤولة عن عدم أخذ تحذيرات وتكليفات القائد الأعلى السياسي على محمل الجد بالقدر الكافي من قبل القائد العام العسكري حتى وقعت الكارثة الكبرى تحت كل الأسماء نكسة أو هزيمة أو نكبة في الخامس من يونيو والتي مازالت قوى النضال والمقاومة في الأمة العربية تحاول بالوسائل السياسية والعسكرية لإزالة آثارها المأساوية الباقية حتى اليوم.

وبالرغم من أننا نجحنا في استعادة الثقة بالنفس واستعادة زمام المبادرة في حرب الاستنزاف التي اعترف فيها العدو بأنها كانت حربا حقيقية فاقت خسائره فيها كل خسائره في حروبه السابقة والتي توقفت مع أسبوع التساقط السريع لطائرات الفانتوم والسكاى هوك الأميركية بصواريخ سام الروسية عماد أسلحة الدفاع الجوى المصرية.

وبالرغم من أننا نجحنا في محو الشعور بالهزيمة بالانتصار العسكري الذي تحقق في السادس من أكتوبر عام 73 مما يتبعه تجاوز الشعور بحالة الهزيمة والشعور بحالة النصر، فلا ندرى هنا إلى أي مدى جاءت النتائج السياسية التي تحققت على جبهة دون أخرى وتسببت في زلزلة سياسية لتلاحم الجبهات العربية موازية للنتائج العسكرية على قدر انتصار بحجم الزلزال السياسي والعسكري على جبهة العدو.

لكن ما لوحظ هذا العام بالذات الذي يوافق العام الأربعين من سرادقات ومناحات وبكائيات غير مسبوقة في ذكرى الخامس من يونيو خصوصا من بعض الفضائيات والشخصيات ذات الأجندات المشبوهة والحسابات المكبوتة والأهداف المكشوفة .

والتي أثارت من الريبة أكثر مما أثارت من التساؤلات حول ما إذا كان هدف حملة هذا العام المضخمة والملونة والصاخبة لتكريس الشعور بالهزيمة مرة أخرى وإهالة التراب على كل الانتصارات التي تلتها أو سبقتها هو هدف بريء أم خبيث، وإذا كان البعض قصد تسميتها بذكرى الهزيمة وكأنه أحد عناصر المعسكر الصهيوني المنتصر أو أنه أحد المرضى بالدونية الذي يعالج نفسه بجلد الذات.

والبعض الأكثر وعيا أطلق عليها ذكرى العدوان الصهيوني تأكيدا لانتمائه إلى المعسكر العربي المعتدى عليه، فلم يكن مطلوبا المشاركة في جنازة إلا للشهداء الأبرار في كل معاركنا الكبرى دفاعا عن حقنا في الحرية والتقدم والكرامة سواء انتهت بالنصر أو الهزيمة، وليس تشييعا لإرادة أو لوطن أو لأمة يريد أعداؤها وتوابعهم الإجهاز على إرادة المقاومة فيها الساعية لتحقيق أمانيها القومية في الوحدة التي تصنع القوة وفى القوة التي تحقق النصر وفى النصر الذي يحفظ الكرامة.

فهل كان بعض ما شهدناه وسمعناه وقرأناه في ذكرى السنوات الأربعين للهزيمة العسكرية التي تلاها الانتصار العسكري مجرد تصفية لما تبقى من حساب للقوى الاستعمارية العائدة إلى المنطقة العربية والإسلامية وتوابعها مع ثورة يوليو النهضوية المصرية ومبادئ جمال عبدالناصر التحررية العربية، أم مع مصر العربية كلها، أم مع ما تبقى من روح المقاومة في الأمة العربية والإسلامية، لتذويب إرادة الممانعة وترويج القبول بالهزيمة والقابلية للاستسلام تمهيدا لتمرير المشروع الصهيوني الأميركي؟. أم أنها كانت محاولة صاخبة للتغطية على هزائم المشروع الصهيوني الأميركي ـ رغم كل الظواهر السلبية ـ في فلسطين و لبنان والعراق أفغانستان لتصدير صورة الأمة المهزومة إلى العرب والمسلمين؟

لكن العرب أثبتوا على كل جبهات الهجوم الاستعماري الشرس على أمتنا أنهم قادرون على إفشال مخططاته وإلحاق الهزيمة به برغم قوته العاتية، إلا أن إرادة الحق والعدل والحرية تبقى هى الأقوى مهما كانت التضحيات وطال الزمن وهى المنتصرة والمخططات الشريرة هي المهزومة في النهاية بعون الله.

وليس ذلك محاولة لتجاهل حقيقة أننا هزمنا عام 67 ولكنها محاولة لتأكيد حقيقة أهم أننا تجاوزنا الهزيمة في الواقع بعد ما حققناه جيوشا ومقاومة من انتصارات عربية عسكرية وشعبية صدرت مرارة الهزيمة إلى أعدائنا، والمرجع في ذلك هو أن العام الأربعين للعدوان كان هو نفسه عام التراجع الشديد لشعبية بوش وأولمرت وبلير ورثة الحلف العدواني، وعام التساقط السريع لأركان العدوان الأميركي على العراق في واشنطن، وأركان العدوان الصهيوني على لبنان في تل أبيب، لتبقى انتصارات العرب مهما بلغت أثمان تضحياتها أعلى وأبقى صوتا من كل الأصوات المبحوحة والمفضوحة.

سواء في انتصار أكتوبر عام 73 على أيدي المقاتلين المصريين والسوريين والعرب الذين قهروا الجيش الذي لا يقهر وأجبروا العدو الصهيوني على التراجع والانسحاب من أراض مصرية عربية احتلها عام 67، أو في انتصار مايو عام 2000 على أيدي المقاومين الوطنيين اللبنانيين وإجبار جيش الاحتلال الصهيوني على الفرار المهين دون تفاوض ودون شروط من جنوب لبنان، أوفى انتصار يوليو عام 2006 على أيدي المقاومين الإسلاميين اللبنانيين بقيادة حزب الله الذي أجبر قادة إسرائيل بعد طول مكابرة على الاعتراف بالفشل في عدوانهم الهمجي على لبنان العربي، مما أطاح بقادة الجيش المقهور وجنرالاته الكبار ووزير دفاعه ووضع حكومة العدو على حافة السقوط.

لكننا متيقنين بأننا لسنا أمة مهزومة ولا يجب أن نقبل أن نبقى أمة مهزومة برغم ما مر ويمر على أيامنا من هزائم، لأن حركة التاريخ لم يتوقف سيرها عند الخامس من يونيو ولكنها تحركت إلى الأمام بإرادة شعبية غلابة في التاسع والعاشر من يونيو ترفض الهزيمة وتصر على المقاومة والاستعداد للقتال من جديد ضد المعتدين المحتلين نحو حرب الاستنزاف الساخنة في الطريق إلى السادس من أكتوبر سعيا لتحقيق النصر واستعادة الأرض والكرامة.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com