خصصت قمة الثماني الكبار مبلغ 60 مليار دولار لمكافحة الأوبئة في القارة الإفريقية، المبلغ تقرر تقديمه «خلال الأعوام المقبلة»، في الحملة ضد الإيدز والملاريا والسلّ، بحدّ ذاته المبلغ ملفت، وهو قادر على إحداث تحوّل في التصدّي لهذه الأمراض الفتاكة، خاصة وأن معالجتها غير عصيّة على الطب الحديث. لكن ذلك مشروط بترجمة التعهد ووضع المبلغ موضع التنفيذ. السوابق لا تبشر بالخير.
قبل عامين وفي القمة نفسها التي عقدت في اسكتلندا ببريطانيا، التزمت هذه الدول بالمساهمة في خوض معركة الأوبئة القاتلة في إفريقيا؛ كما بمضاعفة المساعدة في عام 2010 عما كانت في 2004 أمس في قمة ألمانيا وتجدّد الالتزام بهذا الوعد، لكن زيادة الدعم بالنسبة الموعودة لم تحصل.
ثم هناك نواقص أخرى تثير علامات استفهام؛ حسب الردود التي صدرت عن المنظمات المعنية بمعركة الأوبئة في إفريقيا، أبرزها: خلو التعهد من تحديد فترة زمنية يجري خلالها تقديم هذا الدعم المالي. نقطة تركتها القمة غامضة، كما أن بعض هذه الهيئات يرى أن المبلغ، على أهميته، لا يكفي حتى لو جرى الالتزام به فعلاً، فهذه الأمراض تحصد 16 ألف إنسان يومياً، والمواجهة معها تتطلب بالتالي التزامات أكبر وأسرع. مع أن هناك جمعيات أخرى أثنت على حجم الدعم الذي قررته القمة.
غير أن المسألة ليست في الرقم ولا في الآليات. هي في التنفيذ؛ كما في المقاربة، فالدول الكبرى الغنية مصابة بعادة غير محمودة، تسخى بالوعود على الورق فقط، أما على الأرض؛ فالأثر إما باهت وإما لا وجود له. صار تلكؤها لطخة في سلوكها، حتى البنك الدولي سجّل عليها عدم الوفاء بالتزاماتها، فهي تتعهد ثم تتهرب من التسديد، ومتى؟ في زمن غير مسبوق، من حيث النمو، تشهده اقتصاداتها.
لكن الإشكالية الأعمق تكمن في مقاربة مشكلات عالم الجنوب عموماً، من زاوية عوارضها وليس جذورها، المعضلات الصحية التي تواجهها إفريقيا اليوم؛ هي النتيجة المحتومة لأوضاعها التنموية البائسة. وهذه حقيقة بديهية، والتغاضي عنها لا يؤسس للخلاص من هذه التحديات، فقط تبقى المواجهة عند حدود التصدّي لإفرازاتها.
وقد جاء الموقف الصيني، في هذا الصدد ليضع النقاط على الحروف، عندما أشار إلى أن «الدول النامية لا تزال في موقع مغبون في السباق نحو التنمية». والغبن مرجعه إلى أن «العولمة تفرض على هذه الدول تحديات لا حصر لها» هنا بيت القصيد.
ومن هنا يبدأ الدعم الحقيقي والمواجهة الفعّالة، تخصيص مبالغ بالمليارات لمعالجة تداعيات هذه التحديات، لا شك يساهم في تخفيف المعاناة ـ إذا وجدت المليارات طريقها إلى الترجمة ـ، ولا شك أنها مساعدة في محلها وجديرة بالتنويه، لكنها لا تقوى على النهوض بالمهمة إذا كان المطلوب تجفيف مصادر الفقر والمرض، وفي نهاية المطاف، هذه المشكلات لها آثار كونية، ومن مصلحة الكبار محاصرتها وقطع دابرها، بما في ذلك من مردودات، ليست اجتماعية فحسب بل أيضاً اقتصادية وأمنية تتعلق بالسلم والأمن الدوليين.
