فرنسا "ساركوزي" دخلت على الخط اللبناني، المفعم بآثار آخر الحروب مع إسرائيل، ومعارك فتح الإسلام، وتشكيل المحكمة الدولية، واعتصام أعضاء حزب الله وسط بيروت، أ ي أن الجبهات تستعر على المستويين السياسي والعسكري، والكل يدعي "وصلا بليلى ".

الرئاسة الفرنسية الجديدة، تريد أن تكون محايدة، فحتى لو كانت مع المسؤولين، فهي لا ترفض استضافة الجميع بما فيهم أعضاء من حزب الله، وقد تأتي الدوافع أن الرئيس الفرنسي لم يعد يسير على اتجاه من سبقوه من الرؤساء الذين اختلفت توجهاتهم وسياساتهم مع أمريكا، وربما أن حافز نجاح كهذا بمساعدة الحكومة الأمريكية، وأطراف عربية، وإقليمية حشدتها فرنسا، قد تعطي بعض النجاح لحل الخلافات والتعقيدات اللبنانية.

حكاية لبنان طويلة، كثيرون اعتبروه بلداً ينتمي لأوروبا، وآخرون يرونه إسلامياً سنياً بثوب عربي، وطرف ثالث لا يتنازل عن عقيدته الإسلامية، ولكنه مرتبط بإيران وثالث ورابع وعاشر، كل يسير بالاتجاه الذي يعتقد أنه يمنحه المكاسب، ولذلك ليس مستغرباً أن يتصالح الأضداد مع بعضهم، وينفصل آخرون من تحالفاتهم باتجاه ارتدادي، لأن بيئة لبنان عاشت على متغيرات ليس لها ضوابط، وسارت بما يشبه اللا معقول.

الصيغة اللبنانية قادرة أن تنجح بشرط حسم الخلافات الأزلية بين الطوائف وتحويل هذا البلد الناجح في استقطاب السياحة وبيوت المال، والصفقات التجارية بديلاً عن الصفقات السياسية، لأنه مهيأ لأن يكون المناخ الوحيد الذي يستقطب العمل السياحي والتجاري، ويصبح قبلة المنطقة، غير أنه غارق في أزماته، وانفلات أمنه في أزمة دائمة.

ففي الطفرة النفطية الأولى قامت الحرب الأهلية ومزقت كل شيء، وفاتت على لبنان فرصة هائلة في الإعمار واستقطاب أموال الخليجيين، وهو ما انتبهت إليه دبي وأبوظبي لإنشاء أكبر استثمار تجاري وعقاري في المنطقة، وتكون أموال اللبنانيين المهاجرين وطاقاتهم الإدارية والخبرات المالية عائداً كبيراً على المدينتين، والآن تحدث نزاعات لا تقل بخطورتها، عن تلك الحرب، ويحدث التوقيت مع طفرة نفطية أخرى، كانت الأهم في إعادة إعمار لبنان، لكن الظروف قد لا تعود، خاصة وأن المستثمر يبحث عن بيئة متصالحة مع نفسها وقادرة على تأمين حصانة طويلة للمال، وأصحابه، غير أن اللبنانيين يصدق عليهم المقولة التاريخية "بأنهم يحملون بذور فنائهم" وقد لا يكون المعنى بهذه الحدة، أي أن هذا البلد يستطيع تجاوز ظروفه ليبعث من رماد الحرب وليداً جديداً، إلا أن سلسلة الحوادث التي جرت، ولا تزال تعصف باللبنانيين، لا يمكن أن تعطي الثقة لأي راغب في المساهمة في إحياء هذا البلد المريض بعلاقاته الداخلية أكثر من الخارجية.

فرنسا ربما تكون الوسيط المقبول، لكنها لا تملك المفاتيح التي تؤدي إلى غلق أبواب وفتح أخرى أمام عوالم تتحرك باتجاهات مغايرة لكل التوقعات والحسابات الدقيقة.