لم يحدث أن تحولت وسائل الإعلام والإعلاميين والصحفيين إلى هدف مثلما هو الحال اليوم في الأراضي الفلسطينية خاصة في قطاع غزة. حيث تزايدت الاعتداءات على الصحفيين ووسائل الإعلام بوتيرة متصاعدة وكأن هناك حملة منظمة لإرهاب الصحافة المرئية والمسموعة والمقروءة وقد انضمت جماعة جديدة تسمى سيوف الحق إلى منظومة أعداء الصحافة وهددت مذيعات صوت فلسطين بالنحر من الوريد إلى الوريد لأنهن يتبرجن ولا يغطين رؤوسهن عند ظهورهن على الشاشة.
وسبق ذلك مقتل صحفي يعمل في صحيفة فلسطين التابعة لحماس أثناء الاقتتال بين حركتي فتح وحماس.. كما تعرضت مكاتب صحفية مختلفة للاعتداءات والنسف والنهب وتعرض صحفيون للتهديد والضرب والخطف.. وما زال مراسل هيئة الإذاعة البريطانية الن جونستون مختطفا لدى إحدى الميليشيات التي اتخذت منه درعا بشريا لمنع قوات الأمن من مداهمة مقرها واعتقال أفرادها.
بدأت الحملة على الإعلام تتكثف مع تشكيل حكومة حماس السابقة التي لم تعرف كيفية التعامل مع الصحافة المحلية ووجه بعض وزرائها بمن فيهم رئيس الوزراء انتقادات للصحافة الفلسطينية ووصفوها بالصحافة الصفراء لأنها انتقدت أداء الحكومة ونزوعها نحو التوظيف الفئوي وعدم قدرتها على تلبية حاجات المجتمع الذي تحكمه..
وبدأ وزير الثقافة في حكومة حماس السابقة عهده بوصف تلفزيون فلسطين بالإباحية لأنه يعرض دبكات شعبية تظهر فيها نساء بالملابس الشعبية التقليدية.. وهي ملابس محتشمة.. ثم بدأ الوزير بمحاولة إقناع الموظفات في وزارته بوضع الحجاب وما عدا ذلك لم يفعل سوى انه تعهد بإغلاق الملاهي والمراقص وبيوت الفجور.. ولكن السؤال الذي وجه إليه أين هي الملاهي والمراقص التي يتحدث عنها؟ بالطبع لا توجد مثل هذه الأشياء.
وانضم جيش من الصحفيين من الفصائل خاصة فتح وحماس في أتون الصراع لكن هؤلاء ليسوا صحفيين ولا علاقة لهم بالمهنة لأن الكتابات التي تظهر في الصحف والمطبوعات الفصائلية كانت مجردة من المهنية الصحفية وعبارة عن تفوهات وشتائم وليست مقالات حيث إن حركة حماس تفتقر إلى الكفاءات القلمية المهنية.
ولعل من استمع إلى الإذاعات المحلية في غزة أثناء الاقتتال خرج بنتيجة مفادها أن ليس للإعلام علاقة بما تبثه هذه الإذاعات من تحريض متبادل ودعوات للقتل والقصف وكأنها طرف مباشر في التنظيم العسكري لكل فصيل. مع أن الإعلام الرسمي والمستقل لم يساهم في هذا المعمعان بل كان يدعو للتهدئة وينتقد الاقتتال والمقتتلين ويصفهم بالقتلة والمجرمين ايا كانوا.
وفوق هذا وذاك وجدنا الفتاوى الدينية تنطلق من المساجد ومن أفواه شبان غير فقهاء تبيح القتل وتروج لدخول الجنة بقتل عناصر الخصم.. ومن تحت عباءة الفلتان الذي توج بالاقتتال خرجت جماعات جديدة تدعي الدين وتهاجم متاجر ألبسة ومقاهي الانترنت وبعض المكتبات والمحال المسيحية في غزة، كما هوجمت مدرسة ابتدائية لأنها كانت تحتفل بنهاية العام الدراسي بشكل مختلط بين الأطفال الصغار.
وارتكبت الإذاعات جريمة فتح المجال لكل من هب ودب لكي يدلي بدلوه بالاتصال المباشر حتى دون ذكر أسماء وبث أنباء مضللة عن وقوع اشتباكات وتستعين بفتاوى من الطرفين تبيح القتل والإعدام بدم بارد.. إضافة إلى مواقع الكترونية لكلا الطرفين تنشر أنباء مضللة وأخبارا ملفقة ما زاد الوضع احتقانا وتوترا. ولم تسلم أية مؤسسة إعلامية سواء كانت تابعة لحماس أو فتح من الاعتداءات وكذلك وكالات ومراسلي صحف محلية وأجنبية..
وتلقى عشرات الصحفيين مكالمات تهديد بصورة يومية، وكذلك فإن ما يسمى بسيوف الإسلام واصلت الاتصال بالعاملين في تلفزيون فلسطين لتهديدهم بالنحر وامتنعت المذيعات عن العمل خوفا من هذه التهديدات. المحصلة كانت خلق جو من الخوف والرعب للعاملين في الصحافة في غزة حيث يمتنع بعض كتاب الصحف عن الظهور.. وآخرون يلاحقهم مسلحون إذا ما ساروا في الشوارع..
وهو وضع لم تشهد له غزة مثيلا حيث إن قطاع غزة كان أكثر منطقة أمنا للصحفيين بمن فيهم الأجانب على مدى عقود وكان بعض الصحفيين الاسرائيليين يقضون شهورا فيه دون إزعاج وكذلك الأجانب، أما وقد ارتكبت الفصائل والميليشيات جريمة الاقتتال فإنها أباحت لنفسها ولغيرها استسهال القتل والخطف والاعتداء لأن السياسيين هم الذين بدأوا التحريض على الإعلام والصحافة وهم يتحملون أوزار الجرائم والاعتداءات بحق الصحفيين.
ولعل غياب الصحفيين خاصة الأجانب عن المشهد الغزي يخدم الاحتلال الذي يواصل اعتداءاته على غزة ليل نهار ومع انسحاب كثير من الصحفيين الأجانب خشية الاختطاف فإن المجرمين الذين يعتدون على رجال الصحافة كمن يقتلعون العين التي تراقب ممارسات الاحتلال وتنقلها إلى العالم.
المشهد الغزي ككل ليس شيئا بالنسبة للصحافة فقط بل لكل أهل غزة حيث الاقتتال الداخلي من جهة يتواصل بوتيرة متقطعة ويهدد بالانفجار أكثر من المرات السابقة لأن الإعلام الفصائلي من مطبوعات وصحف وإذاعات ومواقع الكترونية تواصل التحريض تمهيدا لجولة أخرى من الاقتتال. ولحسن الحظ أن الفصائل المتناحرة لا تستخدم صحفيين مهنيين لأن المهنيين يمتنعون عن التورط في معركة ملعونة كالتي تجري في غزة.
صحيفة «الحياة الجديدة» فلسطين